فهرس الكتاب
الأرض وهلك، وكانوا -عياذًا بالله- ينتظرون هلاكه طمعًا في تقسيم المال والحلال، فذهبوا إلى البيت وقسموا وتذكروا أن أباهم قد أعطى ناقة لجارهم الفقير، فذهبوا إليه وقالوا له: أعد الناقة خيرًا لك، وخذ هذا الجمل مكانها، وإلا سنسحبها عنوة الآن، ولن نعطيك شيئًا.
قال: أشتكيكم إلى أبيكم.
قالوا: اشتك إليه، فإنه قد مات!!
قال: مات!! كيف مات؟ وأين مات؟ ولِمَ لمْ أعلم بذلك؟
قالوا: دخل دحلًا في الصحراء ولم يخرج.
قال: ناشدتكم الله اذهبوا بي إلى مكان الدَّحل، ثم خذوا الناقة، وافعلوا ما شئتم ولا أريد جَمَلَكم.
فذهبوا به فلما رأى المكان الذي دخل فيه صاحبه الوفي، ذهب وأحضر حبلًا، وأشعل شمعة ثم ربط نفسه خارج الدحل، ونزل يزحف على قفاه حتى وصل إلى أماكن فيها يحبو، وأماكن فيها يزحف، وأماكن يتدحرج، ويشم رائحة الرطوبة تقترب، وإذا به يسمع أنين الرجل عند الماء، فأخذ يزحف تجاه الأنين في الظلام، ويتلمس الأرض، فوقعت يده على الطين، ثم وقعت يده على الرجل، فوضع يده على أنفاسه فإذا هو حي يتنفس بعد أسبوع، فقام وجرَّه، وربط عينيه حتى لا تنبهر بضوء الشمس، ثم أخرجه معه خارج الدحل، ومرَّس له التمر وسقاه، وحمله على ظهره، وجاء به إلى داره، ودبَّت الحياة في الرجل من جديد، وأولاده لا يعلمون.
فقال: أخبرني بالله عليك، أسبوعًا كاملًا وأنت تحت الأرض ولم تمت.
قال: سأحدثك حديثًا عجبًا، لما نزلت ضعت وتشعبت بي الطرق، فقلت: آوي إلى الماء الذي وصلت إليه، وأخذت أشرب منه، ولكن الجوع لا يرحم، فالماء لا يكفي.
يقول: وبعد ثلاثة أيام، وقد أخذ الجوع مني كلَّ مأخذ، وبينما أنا متسلقٍ على قفاي، قد أسلمتُ وفوّضت أمري إلى الله، وإذا بي أحس بدفءِ اللبن يتدفق على فمي.
يقول: فاعتدلت في جلستي، وإذا بإناء في الظلام لا أراه يقترب من فمي فأشربُ حتى أرتوي، ثم يذهب، فأخذ يأتيني ثلاث مراتٍ في اليوم. ولكنه منذ يومين انقطع ما أدري ما سبب انقطاعه؟