فهرس الكتاب
فقالت: كان لي أبوان فكان أبي يحب الصدقة. وأما أمي فكانت تبغض الصدقة، فلم أرها تصدقت بشيء إلا قطعة شحم ثوب خلق، فلما ماتا رأيت في المنام كأن القيامة قامت، ورأيت أمي قائمة بين الخلق، الحِلْقُة موضوعة على عورتها، ورأيت الشحمة بيدها وهي تلحسها وتنادي: واعطشاه، ورأيت أبي على شفير الحوض وهو يسقي الماء ولم يكن عنده صدقة أحب إليه من سقيه الماء، فأخذتُ قدحًا من الماء، فسقيته أمي، فنودي من فوق، ألا من سقاها شلّت يده، فاستيقظت وقد شلت يدي.
صنائع المعروف تقي مصارع السوء (1)
يذكر رجلٌ يسمى ابن جدعان قال: خرجت في فصل الربيع، وإذا بي أرى إبلي سمانًا يكاد الربيع أن يفجر الحليب من ثديها، وكلما اقترب الحوار (ابن الناقة) من أمه درَّت عليه، وانهال الحليب منها لكثرة الخير والبركة، فنظرت إلى ناقة من نياقي ابنها خلفها، وتذكرت جارًا لي له بُنيَّات سبعٌ فقير الحال، فقلت: والله لأتصدقن بهذه الناقة وولدها لجاري والله يقول: ?لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ? (2) .
وأحب حلالي هذه الناقة، يقول: فأخذتها وابنها، وطرقت الباب على الجار، وقلت: خذها هديةً مني لك، فرأيت الفرح في وجهه لا يدري ماذا يقول، فكان يشرب من لبنها ويحتطب على ظهرها، وينتظر وليدها يكبر ليبيعه، وجاءه منها خير عظيم. فلما انتهى الربيع وجاء الصيف بجفافه وقحطه، تشققت الأرض وبدأ البدو يرتحلون يبحثون عن الماء في الدحول ـ والدحول هي حفر في الأرض توصل إلى محابس مائية أو أقبية مائية تحت الأرض، له فتحات فوق الأرض يعرفها البدو.
يقول: فدخلت في هذا الدحل حتى أحضر الماء لنشرب- وأولاده الثلاثة خارج الدحل ينتظرون- فتاه تحت الأرض، ولم يعرف الخروج. وانتظر أبناؤه يومًا ويومين وثلاثة حتى يئسوا، قالوا: لعل ثعبانًا لدغه ومات، لعله تاه تحت
(1) نور على نور، ص64.
(2) سورة آل عمران، الآية: 92.