ثانيًا أنه فيه نوع سخرية من خلق الله -تعالى-، وإهانة لهم ولذا كان التحريم فيه أشد.
فإن قال قائل: إن هذه الصورة الكاريكاتورية مشوهة الخلقة، ولا نظير لها في الواقع قلنا هذا تعليل باطل من وجوه:
الأول: أن هذا رسم باليد لذي روح، فإن كانت الصورة لذي روح فلا أثر لما تدعونه من كونها لا نظير لها.
الوجه الثاني: أن الشريعة جاءت ببيان معنى الامتهان، فكون الصورة مشوهة الخلقة لا يكفي في جوازها.
الوجه الثالث: أننا ذكرنا فيما سبق أن الرسم يحرم مطلقًا سواء أكان مما يمتهن أم لا ما دام لذي روح.
سابعًا: أقوال أهل العلم المعاصرين حول هذا الموضوع:
أولًا: رأي اللجنة الدائمة للإفتاء (في المملكة العربية السعودية) .
سئلت اللجنة الدائمة عن حكم الإسلام في التصوير؟ فأجابت: الأصل في تصوير كل ما فيه روح من الإنسان، وسائر الحيوانات أنه حرام سواء أكانت مجسمة أم رسومًا على ورقة، أم قماش، أم جدران، أم كانت صورة شمسية لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من النهي عن ذلك، وتوعد فاعله بالعذاب الأليم ولأنها عهد جنسها أنه ذريعة إلى الشرك بالله بالمثول أمامها، والخضوع لها، والتقرب إليها، وإعظامها إعظامًا لا يليق إلا بالله -تعالى-، ولما فيها من مضاهاة خلق الله، ولما في بعضها من الفتن كصور الممثلات والنساء العاريات، ومن يسمَّين ملكات الجمال وأشباه ذلك.
ومن الأحاديث التي وردت في تحريمها ودلت على أنها من الكبائر حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: {إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم} [1] . رواه البخاري، ومسلم.
وحديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - يقول {إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون} [2] رواه البخاري، ومسلم. وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول قال الله -تعالى- {ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو يخلقوا شعيرة} [3] رواه البخاري ومسلم. وحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سفر وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلون وجهه، وقال: {يا عائشة أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله} ، فقطعناها فجعلنا منه وسادة، أو وسادتين. رواه البخاري ومسلم.
(القرام: الستر. والسهوة: الطاقة النافذة في الحائط)
وحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: سمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: {من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ} [4] رواه البخاري ومسلم، وحديثه أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسًا تعذبه في جهنم} ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: (فإن كنت لا بد فاعلًا فاصنع الشجر، وما لا نفس له) رواه البخاري ومسلم، فدل عموم هذه الأحاديث على تحريم تصوير كل ما فيه روح مطلقًا، أما ما
(1) رواه أحمد (2/ 4) والبخاري رقم 5951،5957،7557،7558،ومسلم (2108والنسائي في المجتبى(8/ 215)
(2) رواه أحمد (1/ 375) والبخاري برقم 5950 ومسلم 2109 والنسائي في المجتبى (8/ 216) .
(3) رواه أحمد (2/ 332) 59,391 ,401,572 والبخاري برقم 5952,7550 ومسلم برقم2111
(4) رواه أحمد (1/ 241) والبخاري برقم 5963,2225 بألفاظ ومسلم 2110