ويجبُ بالنَّذْرِ وغيره، وهو سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ كفاية في العَشْر الأواخر من رمضان على سبيلِ الاستيعاب.
فإن قلت: ما السرُّ في اعتكاف النبي - صلى الله عليه وسلم - في العَشْر الأواخر استيعابًا دونَ غيره من الأزمنة (1) ؟
[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف] (1) قوله (فإن قلتَ: ما السرُّ ...) : فإن قلتَ: ما الحكمةُ في إخفاء ليلة القدر، قلتُ: لتحصيل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عُيِّنَتْ لها ليلة لاقْتُصر عليها، كما في ساعةِ الإِجابةِ من يوم الجمعة، وهذه الحكمةُ مُطَّرِدةٌ عندَ من يقول: إنَّها في طول السَّنة، أو في جميع رمضان، أو في جميعِ العشرِ الأخير، أو في أوتاره خاصة، كذا في"الفتح" [44] .
(2) قوله (ليلة القَدْر) : بفتح القاف وسكون الدال، سُمِّيت بذلك لِعِظَم قدْرها؛ أي: ذات القَدْر العظيم؛ لأن القرآن قد نَزَل فيها؛ ولأن الله تعالى قد وَصَفها في كتابه القديم بأنَّها {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} ، ولأنَّ منْ أحيَاها بالعبادةِ يحصل له من القَدْر الجسيم، أو لأنَّ الأشياء تُقَدَّر فيها وتُقْضَى، كما قال الله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} .
وقيل: بفتح الدال على أنَّه مصدر قَدَّر الله الشيء قَدْرًا وقَدَرًا، وفيه لغتان، كالنَّهْر والنَّهَر، كذا في"إرشاد السَّاري" [45] للعلَّامة القَسْطَلاني المتوفى سنة تسعمائة وثلاث وعشرين لا سنة تسعمائة وعشرين كما صَدَر عن غيرِ مُلْتَزِمِ الصحة القِنَّوجي البُهوفالي في بعض تصانيفه، فإنَّه غَلَطٌ صريح، كما أنَّ قوله في"أبجد العلوم": إنَّ ابن حجر صاحب"فتح الباري"مات سنة 858 غلطٌ قبيح، فإنَّ وفاتَه كانت سنة 852.
(44) فتح الباري 4: 266.
(45) إرشاد الساري 3: 429.