وقال القرطبي رحمه الله:"قيل: لتتقوا المعاصي" [الجامع: (2/ 276) ] .
وفي الآية قول آخر ذكره الطبري رحمه الله في تفسيره [3/ 413] بقوله:"وأما تأويل قوله: {لعلكم تَتقون} ، فإنه يعني به: لتتقوا أكل الطعام، وشرب الشراب، وجماع النساء فيه". فالآية يراد منها هذا وهذا.
ومن الأدلة على علاقة السببية هذه حديث الصحيحين الذي رواه ابن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب مَنْ اسْتَطَاعَ منكم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» . وأصل الوجاء: رضُّ الخُصيتين، والمراد: أنه قامع للشهوة.
ومن الأدلة القرآنية -كذلك- أن الله تعالى في الأحزاب ذكر الحافظين فروجهم والحافظات بعدما ذكر الصائمين والصائمات، قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (6/ 420) :"ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ... » ، ناسب أن يذكر بعده: {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ} ".
ولذا أمر الله عز وجل بالصوم في كثير من الكفارات؛ في كفارة قتل الخطأ، والحنث في الأيمان، وقتل الصيد حال الإحرام، والظهار؛ لما له من أثر كبير في تحقيق التقوى وتهذيب الأخلاق.
ومن الأدلة: حديث البخاري، الذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» .
فلماذا كان الصوم سببًا لصوم الجوارح واستقامتها؟
لأن الصوم عبادة تزكو النفوس بها، وتتسامى الأرواح بسببها من حضيض البهيمية، ومن سمت روحه وطهرت نفسه لم تأنس بمعصية الله، فالصائم يعلم أنه ترك ما أحل الله تعالى تقربًا إليه، فكيف يترك ما أحل الله ويقع فيما حرمه عليه؟!