ولذلك كان الناظر في النوازل في أمس الحاجة إلى مراعاتها عند فهم النصوص لتطبيقها على الوقائع وإلحاق حكمها بالنوازل والمستجدات ، وكذلك إذا أراد التوفيق بين الأدلة المتعارضة فإنه لابد وأن يستعين بمقصد الشرع ، وإن دعته الحاجة إلى بيان حكم الله في مسألة مستجدة عن طريق القياس أو الاستصلاح أو الاستحسان أو العرف المعتبر تحرى بكل دقة أهداف الشريعة ومقاصدها [1] .
فإذا ثبت بما لا يدع مجالًا للشك: (( أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا ) ) [2] ؛ كان لزامًا على المجتهد والمفتي في الوقائع الحادثة اعتبار ما فيه مصلحة للعباد ودرء ما فيه مفسدة عليهم .
فيستحيل أن تأمر الشريعة بما فيه مفسدة أو تنهى عما فيه مصلحة بدليل استقراء آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول الإمام البيضاوي ـ رحمه الله ـ: (( إن الاستقراء دل على أن الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد ) ) [3] .
ويؤكد على ذلك الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ وهو من المعتنين بذلك بقوله: (( القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مملوءان من تعليل الأحكام والمصالح وتعليل الخلق بها ، والتنبيه على وجوه الحِكم التي لأجلها شرع الأحكام ولأجلها خلق تلك الأعيان ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناهما ، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة ) ) [4] .
فينبغي عندئذٍ أن يراعي الناظر في النوازل تحقيق المصالح في حكمه وفتواه حتى لا يخرج عن كليات الشريعة ومقاصدها العليا .
ولعلنا أن نذكر في هذا المقام بعض الجوانب المهمة التي ينبغي أن يدركها الناظر في النوازل من خلال
(1) - انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها د . علال الفاسي ص 7 ؛ أصول الفقه للزحيلي 2 / 1017 ؛ الوجيز في أصول الفقه د. زيدان ص 375 .
(2) - الموافقات 2 / 9 .
(3) - نهاية السول في شرح المنهاج 4 / 91 .
(4) - مفتاح دار السعادة ص408 .