فهرس الكتاب
(3) فأقوالهم على العين والرأس؛ لأنها نابعة من القرآن والسنة، ولكن هذا لا يمنع من اختيار ما يراه الإنسان أقرب إلى الصواب من أقوالهم عند اختلافها.
بل يتبع المرء من أقوالهم ما يراه أسعد بالدليل، وأحظى بالحق، غير طاعن فيما سواه، ولا متخذ من الرجال -أيًّا كان فضلهم وعلمهم- أربابًا من دون الله.
ولا شك أن من عرف الحق المقرر في نصوص القرآن والسنة، ثم أعرض عنه لقول فلان؛ أنه يخاف عليه من هذه الآية: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة: 31] .
(4) وأقوال الأئمة هي المعتمد في تصحيح النصوص وتضعيفها، وتوثيق الرجال وتجريحهم، وبيان العلل، وشرح النصوص، وإيضاح دلالاتها، والجمع بين ما ظاهره التعارض منها، وهي المعتمد في تصوير المسائل وتقريرها وإيضاحها.
وإذا جاز لنا أن نجتهد في الوصول إلى نتيجة طيبة في المسائل التي وقع فيها الاختلاف، سواء عن طريق ترجيح قول على آخر، أو عن طريق التفصيل، وحمل كل قول على حال، أو غير ذلك؛ فإنه لا يجوز لنا أن نستحدث أو نبتدع رأيًا أو حكمًا في المسائل التي كانت بين أيديهم، وقالوا فيها ما رأوه؛ لأننا نقول: هم خير وأفضل، وأعلم، وأتقى، وأجدر بالتوفيق، و"لو كان خيرًا لسبقونا إليه"، كما قال الإمام ابن كثير رحمه الله في صفة أهل السنة والجماعة:
"وأما أهل السنة والجماعة، فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة رضي الله عنهم: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه؛ لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها" (1) .
(1) تفسير ابن كثير سورة الأحقاف، عند قوله تعالى: (لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) [الأحقاف: 11] (60/279) ط: الأندلس.