فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 79

(5) والتقليد في حالات ليست قليلة يعتبر ضرورة لا مفر منها؛ فإن الإنسان المعني بمعرفة الراجح بدليله، الناصب نفسه لهذا؛ يجد نفسه مضطرًا -أحيانًا- إلى التقليد حين تنزل به نازلة فورية لا تحتمل التأخير، ويضيق وقتها عن البحث في طلب الراجح.

كما أنه من غير المتصوَّر ألاّ يعمل المرء عملًا، ولا يؤدي عبادة، ولا يعقد عقدًا، ولا يرشد مسترشدًا في مسألة مهما صغرت أو كبرت؛ إلا ويسبق ذلك كله البحث في الراجح من المرجوح، مع ما يحتاجه ذلك من دراسة الأدلة تصحيحًا وتضعيفًا، ودلالة وجمعًا.. إلى غير ذلك مما هو ضروري للترجيح، كما سيأتي -بإذن الله تعالى- في فصل الخلاف والترجيح.

وأنَّى للإنسان ذلك؟!.. وهو سيجد في الوضوء، ثم في الصلاة، ثم في الصيام -إن كان في رمضان-، ثم في الزكاة، والحج والعمرة، ثم في سائر شؤونه الدنيوية من بيع وشراء ونكاح وغيرها..؛ من المسائل الخلافية ما تتقطع الأعمار دون الوصول منها كلها إلى رأي راجح أو صحيح.

ولسنا نريد بهذا تضخيم الأمر وجعله مستحيلًا لا يطمع أحد فيه ولا في شيء منه، ولكننا ندعو إلى البحث والترجيح المتثبت المتأني، مع الاعتراف بأن الاتباع لأقوال الأئمة دون تمحيص يعد ضرورة في حالات -كالتي وصفنا-؛ حتى يتسنى للباحث تحقيق تلك المسائل، والوصول فيها إلى رأي راجح لديه.

ويمكن للمرء أن يستفتي عالمًا محققًا ممن يعلم عنهم التمسك بالسنة والأثر، والالتزام بالدليل. وهذا كله فيه نوع من التقليد والاتباع، وإن لم ينطبق عليه -في جميع الحالات- تعريف الأصوليين للتقليد.

(6) أما في مجال الكتابة والبحث، فالأمر يختلف إلى حد كبير؛ حيث يتسنى للمرء دراسة الموضوع على هِينَة (1) ، وفي هدوء، ويتسع له الأمر في دراسة الأقوال بأدلتها دراسة متأنية هادئة.

(1) الهِينَة: الرِّسل. المعجم الوسيط (2/1042) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت