فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 79

إن ما نراه من هذا الإمام من عزوف عن ولاية القضاء ليس هروبًا من المسؤولية، ولا تخليًا عن قيادة المجتمع؛ بل الأمر على النقيض من ذلك، فهو يعلم أن القاضي يضطر -أحيانًا- بحكم منصبه الرسمي إلى مداهنة السلاطين ومجاملتهم، وهذا يتنافى مع مسؤولية العالم، ويحط مكانته عند الناس، ويدعو إلى عدم قبول ما يدعو إليه؛ ولذلك -ولغيره من الأسباب الأخرى المتعلقة بالورع- رفض الولاية، حتى أذعن الأمير له بالشروط التي تجعل حكمه نافذًا على حاشية الأمير، وخدمه وأولاده؛ بل على الأمير نفسه!

ومع مراعاة الفارق التاريخي، والمتغيرات الكثيرة التي طرأت في حياة المسلمين؛ فإن المسلمين ينتظرون من علمائهم دورًا كهذا الدور؛ بل دورًا كدور الإمام أحمد الذي ظل منافحًا عن عقيدة أهل السنة والجماعة في الوقت الذي كان الخليفة نفسه يعتقد مذهب المعتزلة الضال، حتى صار الإمام أحمد رمزًا من رموز الحق والثبات، وصار الرجل حين يريد نسبة نفسه لأهل السنة يقول: إنه يرى في الأسماء والصفات والعقائد ما يدين به الإمام أحمد رضي الله عنه.

وإذا كان من الواضح - بعدما ذكرنا بعض الأقوال عن علماء السلف وفقهائهم -، أن الفقه المتعلق ببيان الأحكام والفرعيات _ مرتبط بيقظة القلب، وإشراق النفس، وصدق الإيمان، ومرتبط بالعمل الظاهر: من عبادة، وزهد، ودعوة للناس، وغير ذلك، فإننا نلحظ أنه مر على المسلمين فترات اضمحل فيها دور الفقيه أو العالم الذي ذكرنا، وصار دوره هو تقرير الأحكام الفرعية من زاوية مذهبية لا أكثر، فلم تعد مهمته إحياء قلوب الناس، وربطهم بالإسلام ربطًا حقيقيًا، ولم يعد يمارس دوره في توجيه المجتمعات وريادتها، وأصبح الفقيه - كما يقول الغزالي:"معزولًا عن ولاية القلب" (1) ، وصار إذا تحدث في القضايا الخلقية أو التربوية فكأنما تحدث في غير فنه، ويخوض فيما ليس من شأنه كما لو خاض في الكلام والطب (2) !.

(1) إحياء علوم الدين (1/18) .

(2) نفس الموضع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت