فهرس الكتاب
ووجد طوائف من المنسوبين إلى الفقه والعلم الشرعي يصفهم الغزالي بقوله:"ولو سئل فقيه عن معنى من هذه المعاني -حتى عن الإخلاص مثلًا- أو عن التوكل، أو عن وجه الاحتراز من الرياء؛ لتوقف فيه، مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة. ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي؛ لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور، ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج لم تخل البلد عمن يقوم بها، ويكفيه مؤونة (1) التعب فيها، فلا يزال يتعب فيها ليلًا ونهارًا، وفي حفظه ودرسه يغفل عما هو مهم في نفسه من الدين، وإذا روجع فيه قال: اشتغلت به لأنه علم الدين، وفرض الكفاية.. ويلبس على نفسه وعلى غيره في تعلمه، والفطن يعلم أنه لو كان غرضه أداء حق الأمر في فرض الكفاية، لقدم عليه فرض العين؛ بل قدم عليه كثيرًا من فروض الكفايات؛ فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة، ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الفقه، ثم لا ترى أحدًا يشتغل به، ويتهاترون على علم الفقه، لاسيما الخلافيات والجدليات، والبلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى والجواب عن الوقائع."
فليت شعري: كيف يرخص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة، وإهمال مالا قائم به؟! هل لهذا سبب إلا أن الطب ليس يتيسر الوصول به إلى تولي الأوقاف والوصايا، وحيازة مال الأيتام، وتقلد القضاء والحكومة، والتقدم به على الأقران، والتسلط به على الأعداء..." (2) ."
(1) المؤونة: اسم لما يتحمله الإنسان من ثقل النفقة وغيرها، وبعضهم يذهب إلى أنها مأخوذة من"الأون": وهو الثقل، وبعضهم يقول: هي من"الأين": وهو التعب والشدة. انظر لسان العرب (13/396) ، التعريفات (1/303) .
(2) إحياء علوم الدين (1/21) .