التمهيد:
حب الزينة فطرة فطر الله النساء عليها، قال تعالى: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [1] قال ابن كثير: [المرأة ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي منذ تكون طفلة ... ، فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن، في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه، ليجبر ما فيها من نقص] [2] .
فإذا تجملت المرأة وتزينت رغب الرجل فيها، وكلما ازدادت جمالا كلما ازدادت الرغبة فيها كما تزداد الرغبة إلى الطعام حين يكون منسقا ومتنوعا، حتى وإن لم يكن له فيه رغبة أو لم يكن لذيذا بالنسبة للآكل، فالجمال الطبيعي وحده لا يكفي في الميل على المرأة، كما أن نوعية الطعام وإن كانت عالية لا تكفي في الإقبال عليه.
ولو استعرضنا شيئا مما جاء من عناية الشارع بزينة المرأة لوجدنا أن هناك جملة من الأدلة التي تشهد لهذا الأمر، وهي على قسمين:
إما أدلة دالة على عموم الزينة بالنسبة للمرأة، أو خاصة في العلاقة بين الزوجين.
أما الأدلة الدالة على عموم الزينة للمرأة، فمنها:
أولا: قوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [3] . ومن أعظم المعروف الزينة والجمال، وقد جاء في الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: [إني لأحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي] ثم قرأ هذه الآية [4] . وجاء عن يحي بن عبد الرحمن الحنظلي قال: [أتيت محمد بن الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء، ولحيته تقطر من الغالية، فقلت: ما هذا؟ قال: إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي، ودهَّنتني بالطيب، وإنهن يشتهين منا ما نشتهي منهن] [5] . وقال أبو يوسف: [يعجبني أن تتزين لي امرأتي، كما يعجبها أن أتزين لها] [6] . فهذه الآية والآثار من بعدها تدل على أن الأصل في الزينة أن تكون من المرأة ولذا رد حكم الرجل إليها.
ثانيا: عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: «أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها» [7] . ولا يخفى أن الذهب فيه من كمال الزينة وجمالها ما يستهوي النفوس، ومثله الحرير الذي يساعد على مظاهر الأنوثة والنعومة في المرأة.
ثالثا: منع المرأة من الزينة إذا خرجت من منزلها سواء كانت خارجت للعبادة أم غيرها، وقد جاءت في ذلك عدة أحاديث عن النبي -، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: «أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» [8] . وعنه أيضا مرفوعا: «أيما امرأةٍ تطيَّبت للمسجد لم يقبل لها صلاة حتى تغسله عنها اغتسالها من الجنابة» [9] . وحديث أبي موسى - رضي الله عنه: «أيما امرأة استعطرت ثم مرت على القوم ليجدوا ريحها فهي زانية» [10] . وهذه الأحاديث وغيرها دالة بمفهومها على مشروعية الطيب الذي هو غاية في الزينة إذا كانت قارَّة في بيتها، وقد جاء عن عمر - رضي الله عنه - أنه خرج يوم عيد، فمر بالنساء فوجد ريح رأس امرأة، فقال: [من صاحبة هذا؟ أما لو عرفتها لفعلت وفعلت، إنما تطيب المرأة لزوجها، فإذا خرجت لبست أطيمرها أو أطيمر خادمها، فتحدث النساء أنها قامت عن حدث] [11] .
(1) الزُّخرُف:18.
(2) تفسير ابن كثير (7/ 223) .
(3) البقرة:228.
(4) أخرجه الطبري في تفسيره (4/ 532) ، وابن أبي شيبة في مصنفه (4/ 184) .
(5) الجامع لأحكام القرآن (5/ 97) .
(6) رد المحتار على الدر المختار (6/ 756) .
(7) أخرجه أحمد في المسند (32/ 259) ، والنسائي في المجتبى، كتاب الزينة، باب تحريم الذهب على الرجال (8/ 161) ، (5148) . وأعله الدارقطني بالانقطاع. العلل للدارقطني (7/ 241) . وقال ابن حبان في صحيحه (12/ 249) : [خبر سعيد بن أبي هند عن أبي موسى ... معلول لا يصح] .
(8) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد (1/ 275) ، (444) .
(9) أخرجه أحمد في مسنده (14/ 381) ، وابن أبي شيبة في مصنفه (8/ 559) . بتحقق الجمعة واللحيدان. قال محققو المسند: [حديث محتمل للتحسين] .
(10) أخرجه أحمد في مسنده (32/ 482) ، وابن خزيمة في صحيحه (3/ 91) ، وابن حبان في صحيحه (10/ 270) ، والحاكم في المستدرك (2/ 430) وصحح إسناده.
(11) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (8/ 559) .