رابعا: منع المرأة من الزينة -وهي: الكحل والطيب والحناء والحلي والثياب المزينة- أيام إحدادها على زوجها، وهذا فيه مشروعية أخذ الزينة إذا كانت ذات زوج.
خامسا: من أجل الحاجة إلى الزينة والتجمل منعت المرأة أن تحد على غير الزوج أكثر من ثلاثة أيام، كما ثبت في حديث أم عطية رضي الله عنها أن رسول الله - قال: «لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار» [1] .
أما الصنف الثاني من الأدلة وهي الدالة على أخذ المرأة الزينة لزوجها خاصة، فمن ذلك:
أولا: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سئل رسول الله - أي النساء خير؟ قال: «التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره» [2] .
ومعلوم أن العقلاء من الأزواج لا يمكن أن تسره زوجته وهي شعتة متبذلة، فأعظم ما يجلب السرور إلى الزوج الجمال في المظهر والزينة في الملبس.
ثانيا: عن جابر - رضي الله عنه - قال: كنا مع النبي - في غزوة، فلما قدمنا ذهبنا لندخل فقال: «أمهلوا حتى ندخل ليلا -أي: عشاء- لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة» [3] . فالنبي - إنما نهاهم عن مباغتة أهليهم حتى تستعد المرأة لزوجها بعد شيوع خبر وصولهم إلى المدينة.
ثالثا: في خبر جابر بن عبد الله رضي الله عنهما لما ذكر حجة الوداع وفيه، قال: وقدم علي - رضي الله عنه - من اليمن ببدن النبي - فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر علي - رضي الله عنه - ذلك عليها، وقال: من أمرك بهذا؟ فقالت: أبي. قال: فكان علي - رضي الله عنه - يقول بالعراق ذهبت إلى رسول الله - محرشا على فاطمة في الأمر الذي صنعته مستفتيا لرسول الله - في الذي ذكرت عنه فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا فقال: «صدقت صدقت» [4] . ومعلوم أن المرأة منعت من الزينة وقت الإحرام حتى لا تقع الفتنة بها، وفاطمة قد حلت واستقبلت زوجها بما يرغبه فيها بعد سفره، فدل على أن الأصل أخذ الزينة للزوج.
رابعا: عن سبيعة الأسلمية رضي الله عنها أنها كانت تحت سعد بن خولة - رضي الله عنه - وهو من بني عامر بن لؤي وكان ممن شهد بدرا- وتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلَّت من نفاسها، تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك -رجل من بني عبد الدار- فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك تريدين النكاح! إنك والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله - فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، فأمرني بالتزويج إن بدا لي [5] .
فهذه الصحابية الجليلة قد أخذت زينتها وتجملت وهي تريد ما يريد سائر النساء من التعرض للخطاب، فإذا أبيحت لها الزينة وهي على هذه الحال عند إرادت النكاح فمن باب أولى إذا كانت ذات زوج.
رابعا: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: [كان أزواج النبي - يأخذن من شعورهن حتى تكون كالوفرة] [6] . والوفرة هي: الشعر المجتمع على الرأس، أو ما سال على الأذنين منه، أو ما جاوز شحمة الأذن [7] . قال القاضي عياض: [المعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون والذوائب، ولعل أزواج النبي - فعلن هذا بعد وفاته - لتركهن
(1) أخرجه البخاري، كتاب الطلاق، باب تلبس الحاد ثياب العصب (5/ 3043) ، (5028) ، ومسلم، كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة، (2/ 911) ، (938) .
(2) أخرجه أحمد في مسنده (12/ 383) ، والنسائي في المجتبى، كتاب النكاح، باب أي النساء خير (6/ 68) ، (3231) . وحسن إسناده الألباني في صحيحته (4/ 337) .
(3) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة (5/ 2009) ، (4949) ، ومسلم، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح البكر (2/ 881) ، (715) .
(4) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - (2/ 724) ، (1218) .
(5) أخرجه مسلم، كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها (2/ 906) ، (1484) .
(6) أخرجه مسلم، كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة (1/ 214) ، (320) .
(7) تاج العروس (14/ 372) . وانظر: لسان العرب (5/ 287) .