فهرس الكتاب
حتى قالوا: ليسَ الرأي إلاَّ أنْ يحضرَ هارونُ المستملى، ّ فَذَهَبَ جماعةٌ فأحضروهُ، فلمَّا حَضَرَ قالَ: مَنْ ذَكَرتَ؟ فإذا صوتُهُ خلافَ الرّعد، فسكتوا، وَقَعَدَ المستملون كلهم، فاستملى هارونُ وَكَانَ لا يسألُ عَنْ حديثٍ إلاَّ حَدَّثَ مِنْ حِفظهِ، وسُئل عَنْ حديثِ فتحِ مكةَ فَحَدَّثَنا بهِ مِنْ حفظه، فقمنا مِنْ مجلسِهِ فأتينا عَفّانَ فَقَالَ: مَا حَدثكم أبو أيوب، وإذا هو يعظمُهُ )) .
قَالَ ابنُ عديّ: (( رَأيتُ مَجْلسَ الفِرْيَابيّ يُحْزرُ فيهِ خمسة عشر ألْف محبرة، وكُنَّا نحتاجُ أنْ نبيتَ في موضعِ المجلسِ لنتخذَ مِنْ الغد موضعَ مجلسٍ ) ).
قَالَ العِجْليُّ: (( عَاصمُ بنُ على بنِ عَاصم الواسطيّ، شَهدتُ مجلسَ عَاصِم فَحَزَروا مَنْ شَهده ذلكَ اليوم ستين ومائة ألْف، وَكَانَ رجلًا مُسودًا، وكان ثقةً في الحديثِ ) ).
وَقَالَ عُمُرُ بنُ حَفْص: (( وَجّه المُعْتصمُ مَنْ يَحْزِر مَجْلِسَ عاصم بنِ عَلي بنِ عَاصِم في رَحْبةِ النّخْلِ التي في جامعِ الرُّصافة، قَالَ وَكَانَ عاصمُ بنُ علي يجلسُ عَلى سَطْحِ المُسْقطات، وينتشرُ النّاسُ في الرَّحبة وما يليها، فيعظم الجمع جدًّا، حتى سمعتُه يومًا يقولُ:"حَدَّثَنا الليثُ بنُ سَعد"، وَيُسْتعادُ فَأعادَ أربعَ عَشْرةَ مرّة، والنّاسُ لا يَسْمعونَ، .. فَبَلَغَ المُعْتصم كَثْرة الجَمْعِ فَأمَرَ بَحْزرهم فَوجّه بقُطَّاعي الغنمِ فَحَزَروا المجلسَ عِشْرينَ ألفًا ومائةَ ألْف ) ).
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ دُرُسْتَوَيْهِ: كُنَّا نَأْخُذُ الْمَجْلِسَ فِي مَجْلِسِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَقْتَ الْعَصْرِ, الْيَوْمَ لِمَجْلِسِ غَدٍ, فَنَقْعُدُ طُولَ اللَّيْلِ مَخَافَةَ أَنْ لَا نَلْحَقَ مِنْ الْغَدِ مَوْضِعًا نَسْمَعُ فِيهِ, فَرَأَيْت شَيْخًا فِي الْمَجْلِسِ يَبُولُ فِي طَيْلَسَانِهِ, وَيُدْرِجُ الطَّيْلَسَانَ مَخَافَةَ أَنْ يُؤْخَذَ مَكَانُهُ إنْ قَامَ لِلْبَوْلِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَدْ كَانَتْ الْهِمَمُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا, ثُمَّ مَا زَالَتْ تَقِلُّ الرَّغَبَاتُ حَتَّى اضْمَحَلَّتْ فَحَكَى شَيْخُنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ طَفْرٍ الْمَغَازِلِيُّ قَالَ: كُنَّا فِي حَلْقَةِ ابْنِ يُوسُفَ نَسْمَعُ الْحَدِيثَ فَطَلَبْنَا مِحْبَرَةً نَكْتُبُ بِهَا السَّمَاعَ, فَمَا وَجَدْنَا، قَالَ: وَقَدْ كَانَ الْخُلَفَاءُ وَالْكُبَرَاءُ يَغْبِطُونَ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ, ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ الْجُمَحِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لِلْمَنْصُورِ: هَلْ مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا شَيْءٌ لَمْ تَنَلْهُ؟ قَالَ: بَقِيَتْ خَصْلَةٌ أَنْ أَقْعُدَ فِي مِصْطَبَةٍ وَحَوْلِي أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَيَقُولُ الْمُسْتَمْلِي: مَنْ ذَكَرْت رَحِمَك اللَّهُ؟ قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهِ النُّدَمَاءُ وَأَبْنَاءُ الْوُزَرَاءِ بِالْمَحَابِرِ وَالدَّفَاتِرِ فَقَالَ: لَسْتُمْ بِهِمْ إنَّمَا هُمْ الدَّنِسَةُ ثِيَابُهُمْ, الْمُتَشَقِّقَةُ أَرْجُلُهُمْ, الطَّوِيلَةُ شُعُورُهُمْ, بَرْدُ الْآفَاقِ وَنَقَلَةُ الْحَدِيثِ.