فهرس الكتاب
وَكَانَ مَعِي رفيقٌ خُرَاسانيّ، أسْمعُ في كتابه، وسَمِعَ في كتابي، فمَا أكتبُ لاَ يَكْتبُ، وما يَكْتبُ لا أكتب.
فَغَدَونَا يومًا إلى مَجْلِسِ بعضِ الشيوخِ، فقالوا: هو عليلٌ، فَرَجعنَا فَرأينا في طريقنا حوتًا يكونُ بمصر يُشقُ جَوْفهُ فَيَخْرُج مِنْهُ أصفر، فَأعجبنا فلمَّا صرنا إلى المنزلِ حَضَرَ وقتُ مَجْلِسِ بعضِ الشيوخِ فلم يمكننا إصلاحه، وَمَضينا إلى المجلسِ فلمْ نزلْ، حَتى أتى عليهِ ثلاثةُ أيامٍ كَادَ أنْ يتغيرَ فَأكلناهُ نيئًا.
فَقيلَ لهُ: كنتم تعطونه لمن يشويه ويصلحه؟ قالَ: مِنْ أينَ كَانَ لنَا فَراغٌ )) .
قَالَ ابنُ أبي حَاتم: (( سمعتُ أبي يقولُ: بَقِيتُ بالبصرةِ في سنةِ أربعَ عشرةَ ومائتين ثمانيةَ أشهرٍ، وَكَانَ في نفسِي أنْ أُقيمَ سنةً فانقطعَ نَفَقَتي، فَجَعلتُ أبيعُ ثيابَ بَدَني شيئًا بعدَ شيء حَتى بقيتُ بلا نفقةٍ، ومضيتُ أطوفُ مَعَ صديقٍ لي إلى المشيخةِ وأسمعُ منهمْ إلى المساءِ فانصرفَ رفيقي ورجعتُ إلى بيت خالٍ، فَجَعلتُ أشربُ الماءَ من الجوع.
ثمّ أصبحتُ من الغد، وغدا عليّ رفيقي، فجعلتُ أطوفُ مَعَهُ في سماعِ الحديثِ على جوعٍ شديدٍ، فانصرفَ عني وانصرفت جائعًا، فلمّا كَانَ مِنْ الغد غَدَا عليّ فَقَالَ: مُرّ بِنَا إلى المشايخِ، قلتُ: أنا ضعيفٌ، لا يمكنني قَالَ: مَا ضَعْفُكَ؟، قلتُ: لا أكتُمكَ أمري قد مَضَى يومانِ مَا طعمتُ فيهما شيئًا، فَقَالَ: قدْ بقي معي دينار فأنا أواسِيك بنصفهِ، ونجعلُ النصفَ الآخرَ في الكِراء، فخرجنا من البصرةِ وقبضتُ منه النصفَ دِينار )) .
مجالس الحديث
قَالَ أبو حَاتِم: (( سليمانُ بنُ حَرْب إمامٌ مِنْ الأئمةِ كَانَ لا يُدلسُ، ويتكلمُ في الرجالِ، وفى الفقه .. ما رأيتُ في يدِهِ كتابًا قط.
ولقد حَضرتُ مجلسَ سليمانَ بنَ حَرْب ببغداد فَحَزَروا مَنْ حَضَرَ مجلسَهُ أربعين ألْف رجل.
وكَانَ مجلسه عِندَ قَصْرِ المأمونِ فَبَنى لهُ شبه منبر، فَصَعَدَ سليمانُ، وحَضَرَ حولَهُ جماعةٌ مِنْ القُوّاد عليهم السواد، والمأمونُ فوقَ قصرهِ قَدْ فَتَحَ بابَ القصرِ، وقد أَرْسلَ ستر يشف، وهُو خَلْفهُ يكتبُ مَا يملى.
فَسُئل أوَّلَ شيءٍ حديثَ حَوْشب بنِ عَقِيل، فلعله قدْ قَالَ حَدَّثَنَا حوشبُ بنُ عَقِيل أكثرَ مِنْ عشر مرات، وهمْ يقولونَ: لا نسمع.
فَقَالَ: مستملي ومستمليان وثلاثة، كلُّ ذلكَ يقولون: لا نسمع.