الصفحة 37 من 791

ويجوز أن يعود الضمير إلى مفهوممٍ من الكلام من قوله: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} لأن مفهومه وبقيتْ طائفةً ليتفقهوا في الدين، فأعيد الضمير على (طائفة) بصيغة الجمع نظرًا إلى معنى طائفة، كقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} (الحجرات: 9) على تأويل اقتتل جمعهم.

ويجوز أن يكون المراد من النفرْ في قوله: {لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} نفْرًا آخر غير النفر في سبيل الله، وهو النفر للتفقه في الدين، وتكون إعادةُ فعل (يَنْفِرُوا) و (نَفَرَ) من الاستخدام بقرينة قوله: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} فيكون الضمير في قوله: {لِيَتَفَقَّهُوا} عائدًا إلى (طائفة) ويكون قوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} تمهيدًا لقوله: فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ.

وقد نقل عن أيمة المفسرين وأسباب النزول أقوال تجري على الاحتمالين. والاعتماد في مراجع الضمائر على قرائن الكلام على عادة العرب في الإيجاز والاعتماد على فطنة السامع فإنهم أمة فطنة.

والإتيان بصيغة لام الجحود تأكيد للنفي، وهو خبر مستعمل في النهي فتأكيده يفيد تأكيد النهي، أي كونه نهيًا جازمًا يقتضي التحريم. وذلك أنه كما كان النفْر للغزو واجبًا لأن في تركه إضاعة مصلحة الأمة كذلك كان تركه من طائفة من المسلمين واجبًا لأن في تمحض جميع المسلمين للغزو إضاعة مصلحة للأمة أيضًا، فأفاد مجموع الكلامين أن النفْر للغزو واجب على الكفاية أي على طائفة كافية لتحصيل المقصد الشرعي منه، وأن تركه متعين على طائفة كافية منهم لتحصيل المقصد الشرعي مما أمروا بالاشتغال به من العلم في وقت اشتغال الطائفة الأخرى بالغزو. وهذا تقييد للإطلاق الذي في فعل (انفروا) ، أو تخصيص للعموم الذي في ضمير (انفروا) .

ولذلك كانت هذه الآية أصلًا في وجوب طلب العلم على طائفة عظيمة من المسلمين وجوبًا على الكفاية، أي على المقدار الكافي لتحصيل المقصد من ذلك الإيجاب. وأشعر نفي وجوب النفْر على جميع المسلمين وإثباتُ إيجابه على طائفة من كل فرقة منهم بأن الذين يجب عليهم النفر ليسوا بأوفر عددًا من الذين يبقون للتفقه والإنذار، وأن ليست إحدى الحالتين بأوْلى من الأخرى على الإطلاق فيعلم أن ذلك منوط بمقدار الحاجة الداعية للنفر، وأن البقية باقية على الأصل، فعلم منه أن النفير إلى الجهاد يكون بمقدار ما يقتضيه حال العدو المغزُو، وأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت