فهرس الكتاب
الأولى: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ} وهي أن الجهاد ليس على الأعيان وأنه فرض كفاية كما تقدم؛ إذ لو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال، فليخرج فريق منهم للجهاد وليقم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع، وما تجدد نزول على النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى: {إِلاّ تَنْفِرُوا} [التوبة: 39] وللآية التي قبلها؛ على قول مجاهد وابن زيد.
الثانية: هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم؛ لأن المعنى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة والنبي - صلى الله عليه وسلم - مقيم لا ينفر فيتركوه وحده. {فَلَوْلا نَفَرَ} بعد ما علموا أن النفير لا يسع جميعهم. {مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} وتبقى بقيتها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحصل بواحد في الغالب، وأما اللغة فقوله: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} فجاء بضمير الجماعة. قال ابن العربي: والقاضي أبو بكر والشيخ أبو الحسن قبله يرون أن الطائفة ههنا واحد، ويعتضون فيه بالدليل على وجوب العمل بخبر الواحد، وهو صحيح لا من جهة. أن الطائفة تنطلق على الواحد ولكن من جهة أن خبر الشخص الواحد أو الأشخاص خبر واحد، وأن مقابله وهو التواتر لا ينحصر.
قلت: أنص ما يستدل به على أن الواحد يقال له طائفة قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] يعني نفسين. دليله قوله تعالى: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 9] فجاء بلفظ التثنية، والضمير في"اقتتلوا"وإن كان ضمير جماعة فأقل الجماعة اثنان في أحد القولين للعلماء.
الرابعة: قوله تعالى: {لِيَتَفَقَّهُوا} الضمير في {لِيَتَفَقَّهُوا، وَلِيُنْذِرُوا} للمقيمين مع النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قاله قتادة ومجاهد. وقال الحسن: هما للفرقة النافرة؛ واختاره الطبري. ومعنى {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} أي يتبصروا ويتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين ونصرة الدين. {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} من الكفار. {إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} من الجهاد فيخبرونهم بنصرة الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، وأنهم لا يدان لهم بقتالهم وقتال النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار.
قلت: قول مجاهد وقتادة أبين، أي لتتفقه الطائفة المتأخرة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النفور في السرايا. وهذا يقتضي الحث على طلب العلم والندب إليه دون الوجوب والإلزام؛ إذ ليس ذلك في قوة الكلام، وإنما لزم طلب العلم بأدلته؛ قاله أبو بكر بن العربي.
الخامسة: طلب العلم ينقسم قسمين: فرض على الأعيان؛ كالصلاة والزكاة والصيام.