الصفحة 41 من 791

والوجه الآخر: أن يكون المراد بوضع الأجنحة فرشها؛ لأن في بعض الروايات"وإن الملائكة تفرش أجنحتها"أي إن الملائكة إذا رأت طالب العلم يطلبه من وجهه ابتغاء مرضات الله وكانت سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم فرشت له أجنحتها في رحلته وحملته عليها؛ فمن هناك يسلم فلا يحفى إن كان ماشيا ولا يعيا، وتقرب عليه الطريق البعيدة ولا يصيبه ما يصيب المسافر من أنواع الضرر كالمرض وذهاب المال وضلال الطريق. وقد مضى شيء من هذا المعنى في"آل عمران"عند قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ ... } الآية. روى عمران بن حصين قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة". قال يزيد بن هارون: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم؟.

قلت: وهذا قول عبدالرزاق في تأويل الآية، إنهم أصحاب الحديث؛ ذكره الثعلبي. سمعت شيخنا الأستاذ المقرئ النحوي المحدث أبا جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بابن أبي حجة رحمه الله يقول في تأويل قوله عليه السلام:"لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة"إنهم العلماء؛ قال: وذلك أن الغرب لفظ مشترك يطلق على الدلو الكبيرة وعلى مغرب الشمس، ويطلق على فيضة من الدمع. فمعنى"لا يزال أهل الغرب"أي لا يزال أهل فيض الدمع من خشية الله عن علم به وبأحكامه ظاهرين؛ الحديث. قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] .

قلت: وهذا التأويل يعضده قوله عليه السلام في صحيح مسلم:"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة". وظاهر هذا المساق أن أوله مرتبط بآخره. والله أعلم.

جاء في زاد المسير لابن الجوزى (3/ 244) قوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} في سبب نزولها أربعة أقوال.

أحدها: أنه لما أنزل الله عز وجل عيوب المنافقين في غزوة تبوك، قال المؤمنون: والله. لا نتخلَّف عن غزوة يغزوها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا سريَّة أبدًا. فلما أرسل السرايا بعد تبوك، نفر المسلمون جميعًا، وتركوا رسول الله وحده، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس.

والثاني: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما دعا على مضر، أجدبت بلادهم؛ فكانت القبيلة منهم تُقْبِلُ بأسرها إلى المدينة من الجُهد، ويظهرون الإسلام وهم كاذبون؛ فضيَّقوا على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت