فهرس الكتاب
وعامله يدخل تحت قوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله} ، فمن تقرَّب إلى الله بعمل، لم يجعله الله ورسولُه قربة إلى الله، فعمله باطلٌ مردودٌ عليه، وهو شبيهٌ بحالِ الذين كانت صلاتُهم عندَ البيت مُكاء وتصدية، وهذا كمن تقرَّب إلى الله تعالى بسماع الملاهي، أو بالرَّقص، أو بكشف الرَّأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسولُه التقرُّب بها بالكلية.
وليس ما كان قربة في عبادة يكونُ قربةً في غيرها مطلقًا، فقد رأى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رجلًا قائمًا في الشمس، فسأل عنه، فقيل: إنَّه نذر أنْ يقوم ولا يقعدَ ولا يستظلَّ وأنْ يصومَ، فأمره النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَقعُدَ ويستظلَّ، وأنْ يُتمَّ صومه فلم يجعل قيامه وبروزه للشمس قربةً يُوفى بنذرهما.
وقد روي أنَّ ذلك كان في يوم جمعة عندَ سماع خطبة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر، فنذر أنْ يقومَ ولا يقعدَ ولا يستظلَّ ما دامَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يخطُبُ، إعظامًا لسماع خطبة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولم يجعل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك قربةً تُوفى بنذره، مع أنَّ القيام عبادةٌ في مواضعَ أُخَر، كالصلاةِ والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربةٌ للمحرِم، فدلَّ على أنَّه ليس كلُّ ما كان قربة في موطنٍ يكون قربةً في كُلِّ المواطن، وإنَّما يتبع في ذلك ما وردت به الشريعةُ في مواضعها.
وكذلك من تقرَّب بعبادة نُهِيَ عنها بخصوصها، كمن صامَ يومَ العيد، أو صلَّى في وقت النهي.
وأمَّا من عمل عملًا أصلُه مشروعٌ وقربةٌ، ثم أدخلَ فيه ما ليس بمشروع، أو أخلَّ فيه بمشروع، فهذا مخالفٌ أيضًا للشريعة بقدر إخلاله بما أخلَّ به، أو إدخاله ما أدخلَ فيه، وهل يكونُ عملُه من أصله مردودًا عليه أم لا؟ فهذا لا يُطلق القولُ فيه بردٍّ ولا قَبولٍ، بل يُنظر فيه: فإنَّ كان ما أخلَّ به من أجزاء العمل أو شروطه موجبًا لبطلانه في الشريعة، كمن أخلَّ بالطهارة للصلاة مع القُدرة عليها، أو كمن أخلَّ بالرُّكوع، أو بالسجود، أو بالطُّمأنينة فيهما، فهذا عملُه مردودٌ عليه، وعليه إعادتُه إنْ كان فرضًا، وإنْ كان ما أخلَّ به لا يُوجِبُ بُطلانَ العمل، كمن أخلَّ بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يُوجِبُها ولا يجعلُها شرطًا، فهذا لا يُقالُ: إنَّ عمله مردودٌ من أصله، بل هو ناقصٌ.
أصله، كمن توضأ أربعًا أربعًا، أو صام الليل مع النهار، وواصل في صيامه، وقد يبدَّلُ بعض ما يُؤمر به في العبادة بما هو منهيٌّ عنه، كمن ستر عورتَه في الصَّلاة بثوب مُحرَّم، أو تؤضَّأ للصلاة بماءٍ مغصُوبٍ، أو صلَّى في بُقعةٍ غَصْبٍ، فهذا قد اختلفَ العُلماءُ فيه: هل عملُه مردودٌ من أصله، أو أنَّه غير مردود، وتبرأ به الذِّمَّةُ من عُهدة الواجب؟ وأكثرُ الفُقهاء على أنَّه ليس