فهرس الكتاب
قلت: يا أبا عبدالله ما أردت إلا الخير.
فقال: لو دعوت الله علي لعلمت أنك لم ترد إلا الخير. اهـ.
قلت: علم صدق مودته، فتجاوز الألفاظ.
44 -وذكر أحمد بن أبي طاهر عن عبد الله بن أبي سعد الكراني، أن عبد الله بن سعيد بن زرارة، حدثه عن محمد بن إبراهيم السياري، قال: لما قدم العتابي مدينة السلام على المأمون، أذن له، فدخل عليه وعنده إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وكان العتابي شيخًا جليلًا نبيلًا، فسلم فرد عليه وأدناه، وقربه حتى قرب منه، فقبل يده: ثم أمره بالجلوس فجلس، وأقبل عليه يسائله عن حاله، وهو يجيبه بلسان ذلق طلق، فاستظرف المأمون ذلك، وأقبل عليه بالمداعبة والمزاح، فظن الشيخ أنه استخف به، فقال: يا أمير المؤمنين: الإيناس قبل الإبساس!
فاشتبه على المأمون قوله، فنظر إلى إسحاق مستفهمًا، فأومأ إليه، وغمزه على معناه حتى فهم،
فقال: يا غلام، ألف دينار! فأتي بذاك، فوضعه بين يدي العتابي، وأخذوا في الحديث، وغمز المأمون إسحاق بن إبراهيم عليه، فجعل العتابي لا يأخذ في شيء إلا عارضه فيه إسحاق، فبقي العتابي متعجبًا، ثم قال: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في سؤال هذا الشيخ عن اسمه؟ قال: نعم سل.
فقال لإسحاق: يا شيخ من أنت؟ وما اسمك؟ قال: أنا من الناس، واسمي كل بصل.
فتبسم العتابي وقال: أما النسب فمعروف، وأما الاسم فمنكر!.
فقال إسحاق: ما أقل إنصافك، أتنكر أن يكون اسمي كل بصل؟ واسمك كل ثوم،
وكل ثوم من الأسماء، أو ليس البصل أطيب من الثوم؟!
فقال له العتابي: لله درك، ما أحجك، أتأذن لي يا أمير المؤمنين في أن أصله بما وصلتني به؟ فقال له المأمون: بل ذلك موفر عليك ونأمر له بمثله.
فقال له إسحاق: أما إذا أقررت بهذا، فتوهمني تجدني، فقال: ما أظنك إلا إسحاق الموصلي الذي تناهى إلينا خبره، قال: أنا حيث ظننت.
وأقبل عليه بالتحية والسلام، فقال المأمون، وقد طال الحديث بينهما: أما إذ قد اتفقتما على المودة، فانصرفا متنادمين.
فانصرف العتابي إلى منزل إسحاق فأقام عنده.