فهرس الكتاب
ومن صفة هذا العالم العاقل إذا عارضه في مجلس العلم والمناظرة بعض من يعلم أنه يريد مناظرته للجدل، والمراء والمغالبة، لم يسعه مناظرته؛ لأنه قد علم أنه إنما يريد أن يدفع قوله، وينصر مذهبه، ولو أتاه بكل حجة مثلها يجب أن يقبلها، لم يقبل ذلك، ونصر قوله.
ومن كان هذا مراده لم تؤمن فتنته، ولم تحمد عواقبه.
ويقال لمن مراده في المناظرة المغالبة والجدل: أخبرني، إذا كنت أنا حجازيا، وأنت عراقيا، وبيننا مسألة على مذهبي، أقول: إنها حلال، وعلى مذهبك إنها حرام، فسألتني المناظرة لك عليها، وليس في مناظرتك الرجوع عن قولك، والحق عندك أن أقول فيها قولك، وكان عندي أنا أن أقول، وليس مرادي في مناظرتي الرجوع عما هو عندي، وإنما مرادي أن أرد قولك، ومرادك أن ترد قولي، فلا وجه لمناظرتنا، فالأحسن بنا السكوت على ما تعرف من قولك، وعلى ما أعرف من قولي، وهو أسلم لنا، وأقرب إلى الحق الذي ينبغي أن نستعمله. فإن قال: وكيف ذلك؟
قيل: لأنك تريد أن أخطئ الحق، وأنت على الباطل، ولا أوفق للصواب، ثم تسر بذلك، وتبتهج به، ويكون مرادي فيك كذلك، فإذا كنا كذلك، فنحن قوم سوء، لم نوفق للرشاد، وكان العلم علينا حجة، وكان الجاهل أعذر منا.
وأعظم من هذا كله أنه ربما احتج أحدهما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على خصمه، فيردها عليه بغير تمييز، كل ذلك يخشى أن تنكسر حجته، حتى إنه لعله أن يقول بسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتة، فيقول: هذا باطل، وهذا لا أقول به، فيرد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه بغير تمييز.
ومنهم من يحتج في مسألة بقول صحابي، فيرد عليه خصمه ذلك، ولا يلتفت إلى ما يحتج عليه، كل ذلك نصرة منه لقوله، لا يبالي أن يرد السنن والآثار.
من صفة الجاهل: الجدل، والمراء، والمغالبة، نعوذ بالله ممن هذا مراده ومن صفة العالم العقل والمناصحة في مناظرته، وطلب الفائدة لنفسه ولغيره، كثر الله في العلماء مثل هذا، ونفعه بالعلم، وزينه بالحلم. اهـ
وانظر نحوه في الإبانة لابن بطة ـ الإيمان ـ 2/ 545 وما قبلها.
172 -في الكليات لأبي البقاء الكفوي ص1051: