عندها تحقق لأعداء الأمة ما سعوا إليه منذ فترة ليست قصيرة، وحلَّ العداء بين العرب والأتراك محل الوئام والأخوة، على الرغم من محاولات عقلاء الطرفين لرأب هذا الصدع حيث قاموا بتشكيل (جمعية الإخاء العربي العثماني) في الآستانة عام 1327هـ. لكن الاتحاديين سارعوا إلى حلِّها إمعانًا في الفتنة ودفعًا للأمور حتى تصل إلى نهايتها المرسومة.
ومع ذلك تابع عقلاء العرب طريقهم السليم، فأسسوا لجنة الإصلاح، ولكن الاتحاديين أصدروا قرارًا بحلِّها أيضًا، مما أدّى إلى قيام إضرابات عامة ومظاهرات احتجاجية في مختلف الأقطار العربية، قوبلت بالعنف من الاتحاديين الذي أمروا بتعطيل الصحف واعتقال الزعماء البارزين. وكان لسان حالهم يقول: افعلوا ما فعلناه.
وكان لهم ما أرادوا، وارتفعت الأصوات من العرب تقول: ما دام الرابط الوحيد بيننا وبين الأتراك الإسلام قد انفصم ولم يعد له وجود، فزال بذلك المسوِّغ الوحيد لاتحادنا معهم، لذا يجب علينا السعي من أجل الحصول على الاستقلال الكامل عنهم وعن حكمهم ودولتهم.
وهكذا ومن خلال هذه الحقائق التاريخية نجد أن الأمة لم تجنِ إلا الصبر والعلقم من التأثيرات الثقافية الغربية والإرساليات التبشيرية، ولم تحصد إلا الفرقة والانقسام، وضياع الأرض، وانتهاك الأعراض، وتدنيس المقدسات. وإن رحلة التيه والضياع التي دُبِّرَت للأمة ما تزال آخذة طريقها المرسوم بصورة أو بأخرى، وتحت شعارات برَّاقة خادعة متجددة، كلما انكشف عوار واحد منها، أُتيَ بغيره حتى يتمَّ الوصول إلى الهدف المنشود الذي بيَّنه لنا كتابُ اللَّه عز وجل منذ أربعة عشر قرنًا، لكنا نسيناه أو تناسيناه (ولا يَزالونَ يُقاتِلونَكم حَتَّى يَرُدُّوكم عن دينِكم إنِ استطاعوا) (ولَنْ تَرضى عنكَ اليَهودُ ولا النَّصارى حتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم) صدق الله العظيم.