لقد لاقى هذا الاتجاه في البداية بعض الآذان الصاغية التي تمَّ تحضيرها في المنطقة العربية لأداء مهمة معينة، كالاتحاديين في صفوف الأتراك، في ارتباطاتها الخارجية، وعملها لصالح الغرب والمبشرين. وبدأت ترتفع بعض الأصوات مناديةً بالقومية العنصرية بين العرب، وكان دعاتها من غير المسلمين. فقد تمَّ على يد خمسة من طلاب الكلية الإنجيلية (البروتستانتية) في بيروت، والتي أسميت فيما بعد الجامعة الأمريكية، وكلهم من النصارى عام 1293هـ/1875م شكَّلوا جمعية سرية (جمعية بيروت العربية) بالتعاون مع محفل بيروت الماسوني، وجعلوا هدفها: دعوة العرب لمحاربة الأتراك والثورة عليهم. وقامت هذه الجمعية بصياغة هذه العنصرية على شكل عقيدة سياسية في محاولةٍ منها لاجتذاب المسلمين من العرب إلى صفوفها، فلم تفلح في ذلك، فقد نفر المسلمون منها ومن مؤسسيها الذي كانوا يواصلون السعي بالتعاون مع البعثات التبشيرية لِبَثِّ ما أسموه بالشعور القومي بين العرب.
واستمر العرب على موقفهم السليم، ونفورهم من البعثات التبشيرية ومن المرتبطين بهم من نصارى العرب (هذا يفسر لنا ثقة السلطان عبد الحميد رحمه الله بالعرب، وتقريبه لهم، وتسليمهم المراكز العليا في قصره، مما أغاظ أصحاب الاتجاه العنصري، وحمل واحدًا منهم، جورج أنطونيوس، على القول:"إذا كان الباب العالي ومناصب الوزارة قد ظلاَّ مجالًا يصول فيه الأتراك ويجولون، فقد سقط القصر جميعه في أيدي العرب"، إلى أن سقط السلطان عبد الحميد، ووصل الاتحاديون إلى الحكم في الدولة، وتنكروا للإسلام الذي يجمع العرب إلى الترك وغيرهم من المسلمين.