ومن آداب الدعاء ومهماته إطابة المطعم والمشرب لأن الله تعالى طيّبٌ لا يقبل إلا طيّبًا، (ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال للمؤمن طيب مطعمه، وأن يكون من حلال فبذلك يزكو عمله) [1] ، وليُعلَم بأن فساد المطعم من منافيات الدعاء والإقبال على الله، بل هو من موانع الإجابة، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حال رجل جمعَ أسباب الرجاء والإجابة لكنه نقَضَها بفساد مطعمه وتوسّعه في الحرام، قال وهب بن منبّه:"مَنْ سره أن يستجيب اللهُ دعوته فليُطِب طُعمَتَه"، وقال يوسف بن أسباط:"بلغنا أن دعاء العبد يُحبس عن السموات بسوء المطعم".
أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ الله طيّب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله تعالى أمَرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] . وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعثَ أغبر يمدّ يديه إلى السماء: يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذّيَ بالحرام فأنَّى يُستجابُ لذلك [2] .
فهذا الرجل حاز أجلّ وأشهر مقتضيات الإجابة والقبول، لكن تعذّرَت الإجابة بسبب توسّعه في الحرام، والأمور التي جمعها في دعائه هي كما يلي كما يقول ابن رجب الحنبليّ: أحدها: إطالة السفر: والسفر بمجرّده يقتضي إجابة الدعاء كما صح بذلك الحديث، ومتى طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء ولأنه مظنّة حصول انكسار النفس بطول الغربة وتحمّل المشاق، والانكسار من أعظم أسباب الإجابة.
والثاني: حصول التبذّل في اللباس والهيئة بالشعث والاغبرار وهو من مقتضيات الإجابة كما في صحيح مسلم: (رُبّ أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّه) [3] .
الثالث: الإلحاح على الله بتكرار ذكر ربوبيّته، وهو من أعظم ما يُطلب به إجابة الدعاء، وقد رُوى عن أبي الدرداء وابن عباس أنهما كانا يقولان:"اسمُ الله الأكبر: رَبِّ رَبِّ" [4] .
وهذا الاسم غالب في الدعوات القرآنية وفيه أحاديث ضعيفة، وقد سُئل مالك وسفيان ـ رحمهما الله ـ عن من يقول في الدعاء: يا سيّدي؟ فقال: يقول: يا ربِّ. زاد مالك: كما قالت الأنبياء في دعائهم.
ومعنى قوله: (فأنَّى يُستجاب لذلك) أي كيف يُستجاب له؟ فهو استفهام وقع على وجه التعجّب والاستبعاد [5] .
وأيضًا مما قد يمنع الإجابة ترك الواجبات الشرعية كما ورد أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار، وفعل الطاعات يكون موجبًِا لاستجابة الدعاء، ولهذا لمّا توسل أصحاب الغار بأعمالهم الصالحة التي أخلصوا فيها لله تعالى أُجيبت دعوتهم، وأيضًا مما قد يمنع الإجابة ارتكاب المحرّمات ومقارفة الذنوب، بل إن العبد المسلم لَيُحرمَ أبوابًاَ من الخير بسبب مقارفة الذنوب، وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (إنّ العبد لَيُحرم الرزق بالذنب يصيبه) [6] أخرجه أحمد من حديث ثوبان رضي الله عنه.
ومن أخبار بني إسرائيل قال مالك بن دينار رحمه الله: أصاب بني إسرائيل بلاء فخرجوا مخرجًا فأوحى الله تعالى إلى نبيّه، أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إلىَّ أكفًُا قد سفكتُم بها الدماء وملأتُم بيوتكم من الحرام، الآن اشتد غضبي عليكم، ولن تزدادوا منّي إلا بُعدًا.
وقال بعض السلف:"لا تستبطئ الإجابة قد سددت طرقها بالمعاصي"وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
نحنُ ندعو الإلهَ في كل كَربٍ
ثم ننساهُ عند كشف الكرُوب
كيف نرجو إجابةً لِدُعاءٍ
قد سددنا طريقها بالذنوب
وثمّة أمرٌ يتعلق بالدعاء ألا وهو القنوت الذي يكون في الوتر وليس في التراويح، إذ التراويح ليست لها قنوت ولا دعاء يبقى طويلًا، والقنوت في الوتر لم يشتهر فعله عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا في حديث رواه ابن ماجة [7] . كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله [8] ، والحديث في درجة الحسن، وأحسن منه حديث الحسن بن عليّ عند أصحاب السنن فهو أوضح وأصحّ وأدلّ على شرعية القنوت في صلاة الوتر وسنده صحيح [9] .
(1) جامع العلوم والحكم لابن رجب ص 260.
(2) مسلم (1015) والترمذي (2989) .
(3) مسلم (2622) .
(4) ابن أبي شيبة (10/ 272) وصححه الحاكم (1/ 505) .
(5) جامع العلوم والحكم بتصرف ص (269) .
(6) مسند أحمد (5/ 279) .
(7) ابن ماجة (1182) ورواه النسائي (2/ 235) .
(8) زاد المعاد (1/ 334) .
(9) أبو داود (1425) ، والترمذي (464) .