إن الدعاء نعمة ورحمة من الله تعالى منَّ بها على عباده وأوليائه، فالدعاء سلاح المؤمنين، وقرّة عيون الصالحين وملاذ التائبين وملجأ المظلومين والمنكوبين،"والله ـ تبارك وتعالى ـ قد أطمعَ المطيع والعاصي والداني والقاصي في الانبساط إلى حضرة جلاله برفع الحاجات والأماني"بقوله: {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] ، فادعُوا الله تعالى ـ معاشر الصائمين ـ وابتهِلُوا إليه فأنتم في موسم مبارك عظيم تُستجاب فيه الدعوات وتنزل فيه الرحمات، سلُوا اللهَ ما تحبّون من خيري الدنيا والآخرة، ادعوه أن يقضي حوائجكم ويسهل أموركم ويصلح أحوالكم ويغفر ذنوبكم وسيئاتكم، إنه أهل التقوى وأهل المغفرة.
أيها الصائمون:
إن رمضان موطن شريف من المواطن المباركة الشريفة ينبغي العناية بالدعاء فيه في كل الأوقات والأحوال، وقد وردَ أن للصائم دعوة مستاجبة وهي عند الإفطار كما صح بذلك الحديث، وحريُّ بمن كان صائمًا أن يكون مهيّأ للدعاء، فيسأل الله الرضا والقبول، ويجمع إلى ذلك الضراعة والخشوع والانكسار والإنابة {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] ، قال بعضهم: ادّعُ بلسان الذِّلَة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق.
والدعاء عند الإفطار يكاد يكون من السنن المهجورة التي غفل وتكاسل عنها كثير من الناس، فما أجملها حقيقةً وألذّها وأطيبها على قلب الصائم، عندما يفزع إلى الله تعالى دقائق معدودات قبل فطره وطعامه.
وأيضًا لِيعْتَنِ الصائمون بقيام الليل وهو التراويح ويجتهدوا
في الدعاء فيها حال السجود وسؤال الله تعالى ما ينفعهم ويقربهم ويهدي قلوبهم، وأيضًا من وُفِّق لإدراك ليلة القدر ـ وهي في أوتار العشر الأواخر ـ ليكثر فيها الدعاء الوارد عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ مع الصدق والإخبات والضراعة فهو خير من كثير من التطويل على الناس هذه الأزمان، بأدعية لا تُعرف في السنن والصّحاح.
ونص الحديث: قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أرأيتَ إن علمتُ أي ليلة القدر ما أقول؟ قال صلى الله عليه وسلم: (قولي: اللّهم إنّك عفوُّ تُحبّ العفوَ فاعْفُ عنّي) رواه الخمسة غير أبي داود وصححه الترمذي والحاكم [1] .
ومن المناسب عند ذكر الدعاء وأفضليته والتأكيد على أهميته، يحسن أن ننبّه على آدابه ومهمّاته، فاعلموا ـ بارك الله فيكم ـ أن للدعاءِ آدابًا ينبغي مراعاتها وقد ذكَرها غير واحد من أهل العلم في كتب الأدعية والأذكار والرّقاق، وسأسوقها هنا بإيجاز.
منها: التماس الدعاء في الأوقات الشريفة كرمضان ويوم عرفة والجمعة لا سيّما ساعته الثابت بها الحديث ووقت السَّحَر من كل ليلة {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] ، {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18] ، وفي الحديث المتواتر العظيم قال صلى الله عليه وسلم: (ينزلُ ربّنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلُث الليل الآخر فيقول: مَن يدعوني فأستجيب له، مَن يسألني فأعطيه، مَن يستغفرني فأغفر له) [2] .
ومنها: البدء بحمد الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها الضراعة والتذلّل والانكسار والإلحاح في ذلك، ومنها تكرار الدعاء ثلاثًا، ومنها عدم الاعتداء في الدعاء، ومنها سؤال الله تعالى بالوسائل الشرعية كأسمائه الحسنى {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] .
ومنها: العناية بالأدعية والكلمات التي عظّمها الشارع وعلّق عليها الثواب والإجابة والانتفاع كقوله صلى الله عليه وسلم من حديث أنس رضي الله عنه: (أَلِظُّوا بِياذا الجلالِ والإكرام) [3] وهو حديث صحيح، ومعنى قوله: أَلِظّوا: يعني الزَموها.
ومنها: استقبال القبلة ورفع الأيدي في الدعاء، فإن رفعهما حال الدعاء من المتواتر المعنوي عند أهل العلم بالحديث ولا يُنازَع في ذلك [4] ، وفي الحديث الصحيح عن سلمان رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: (إن ربكم تبارك وتعالى حييُّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صفرًا) [5] .
(1) الترمذي (3508) وابن ماجة (3850) وأحمد (6/ 182) .
(2) البخاري (1145) ، ومسلم (758) .
(3) الترمذي (3773) .
(4) تدريب الراوي (2/ 167) .
(5) أبو داود (1488) والترمذي (3556) .