الصفحة 10 من 75

ولهذا من الخطأ أن يظن كثير من الصائمين أن تمام الصوم إنما هو بترك الطعام والشراب، كلاّ، بل لابد من اجتناب المحرّمات والمخالفات، والدليل على ذلك ما رواه البخاريّ وأبو داود وابن حبّان وغيرهم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من لم يدّع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدّع طعامه وشرابه" [1] .

وهؤلاء لو تأمّلوا هذا الحديث وعلموا قدره، لهان عندهم إمساكهم عن الطعام والشراب مع ارتكابهم لكثير من المحاذير، المجانبة لروحانية الصيام، ولذا كان من دقّة فقه الإمام ابن حبّان

ـ عليه رحمة الله ـ أن قال في صحيحه:"ذِكرُ الخبر الدالّ"

على أن الصوم إنما يتم باجتناب المحظورات لا بمجانبة الطعام والشراب والجماع فقط"ثم ساق حديث أبي هريرة ـ رضي الله"

عنه ـ السابق.

وكثير من هؤلاء ليس لهم من صيامهم زكاة وانتفاع وخشوع وانشراح، بل ـ والعياذ بالله ـ حصدوا النّصَب والتعب والجوع.

أخرج أحمد وابن خزيمة وابن حبان بسندٍ حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"رُبَّ صائمٍ حظّه من صيامه الجوع والعطش، ورُبّ قائمٍ حظّه من قيامه السهر" [2] ، وقد ترجم له ابن خزيمة ـ رحمه الله ـ في صحيحه بقوله:"باب نفي ثواب الصوم عن الممسك عن الطعام والشراب مع ارتكابه ما زُجر عنه غير الأكل والشراب".

وقال ابن حبان رحمه الله:"ذِكُر الزجر عن أن يخرق المرء صومه بما ليس لله فيه طاعة من القول والفعل معًا" [3] .

قال جابر رضي الله عنه:"إذا صمتَ فليصُم سمعكَ وبصرك ولسانك عن الكذب والمأثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقارٌ وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء".

وكان أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد، وقال عمر ـ رضي الله عنه ـ:"ليس الصيام من الطعام والشراب وحده، ولكنه من الكذِب والباطل واللغو والحلف"وعن عليّ ـ رضي الله عنه ـ نحو ذلك.

وكل هذه الآثار ذكَرها أبو بكر ابن أبي شيبة ـ رحمه الله ـ في مصنّفه [4] .

معاشر الصائمين:

الصيام إيثار لمحبة الله تعالى على سائر المحبوبات والشهوات، وذاك ذريعة لتهذيب النفس وتصفيتها وتأهيلها للتقوى التي يُنال بها الرضوان والسعادة والنعيم المقيم، لأن الصيام تضييق لمجاري الشيطان الذي تكثر حبائله مع الطعام والشراب، ولهذا كان الجائع المتقلِّل من الطعام والشراب أقرب إلى الفهم والخير والطاعة، والمتملِّي الشابع على الضدّ من ذلك.

قال ابن رجب رحمه الله:"وأما منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه، فإن قلة الغذاء توجِب القلب وقوة الفهم وانكسار النفس وضعف الهوى والغضب، وكثرة الغذاء توجِب ضد ذلك" [5] .

وقال محمد بن واسع كما في الحلية:"مَن قلّ طُعمه فَهِمَ وأفهَم، وصفا ورقَّ، وإن كثرة الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد" [6] .

وعن عبد العزيز بن أبي روّاد قال:"كان يُقال: قلّة الطُّعم عون على التسرّع إلى الخيرات"، وعن قُثّم العابد قال:"كان يُقال: ما قلّ طُعم امرئٍ قط إلا رقَّ قلبه ونديت عيناه"، ومن طريف ما يُذكر هنا ما قاله ثابت البُناني قال:"بلغّنا أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا ـ عليهما السلام ـ فرأى عليه معاليق من كل شيء فقال له يحيى: يا إبليس ما هذه المعاليق التي أرى عليك قال: هذه الشهوات التي أُصيب من بني آدم، قال: فهل لي فيها شيء؟ قال: ربّما شبعتَ فثقّلناك عن الصلاة وعن الذكر، قال: فهل غير هذا؟ قال: لا، قال: لله علىَّ ألا أملأ بطني من طعامٍ أبدًا، قال: فقال إبليس: ولله علىَّ ألا أنصح مسلمًا أبدًا" [7] .

وعُمدةُ هذا الباب وصفوتُه وزَينُه قوله صلى الله عليه وسلم:"ما ملأ آدميّ وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يُقمن صلبَه، فإن كان لا محالة فثلُثٌ لطعمه وثلُثُ لشرابه وثلثُ لنفَسه"رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وغيرهم وهو حديث صحيح [8] .

{4} دُعاء الصّائم

الدعاء ليس مُخّ العبادة فحسب بل هو العبادة {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] ، وثبت في سنن أبي داود والترمذي بسندٍ حسن قال صلى الله عليه وسلم:"الدعاء هو العبادة" [9] .

أيها الأخوة الكرام:

(1) البخاري (1903) ، وأبو داود (2362) ، وابن حبان (3480) .

(2) مسند أحمد (2/ 373) ، وابن حبان (3481) ، وابن خزيمة (1997) ، وابن ماجه (1690) والنسائي في الكبرى (3249) .

(3) صحيح ابن خزيمة (3/ 242) ، والإحسان بتقريب ابن حبان (8/ 258) .

(4) مصنف ابن أبي شيبة (2/ 271 - 272) .

(5) جامع العلوم والحكم ص 469.

(6) حلية الأولياء لأبي نعيم (2/ 351) .

(8) مسند أحمد (4/ 132) ، والترمذي (2380) ، وابن ماجة (3349) عن المقداد

ابن معد يكرب.

(9) أبو داود (1479) والترمذي (2969) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت