ثانيًا: إن الصيام امتحان للعبد وابتلاء، يبلو صدقه وأمانته ويُبين نزاهته وطهارته، إذ أن الصائم يستطيع أن يتناول طعامًا أو شرابًا ويوهم الخلق أنه صائم وليس كما قال، لكن لمّا كان الصوم سرًا بين العبد وخالقه دلّ على صدق عبودية الصائم لربّه ورجائه لعفوه ورحمته، لهذا وغيره كان الصوم لله تعالى وهو يثيب عليه، وفي الصحيحين:"كلّ عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".
ثالثًا: إن الصائم يمسك عن أشياء مباحة طاعة لرّبه وانصياعًا لشرعه، وهي حلال له في كل الأوقات إلا حال الصيام، وهذا مما يدل على مزيد عبوديّته وخضوعه وخشوعه لله رب العالمين، وفي الحديث:"يدَع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي".
رابعًا: أن الصائم لا يُعكِّر صفو صومه ببذاءة أو لغو أو زور، بل ينزّه صومه من كل ذلك ويحرص تمام الحرص على تمام صومه وحسنه، وهو مأمور على كل حال أن يجتنب مزالق اللسان وهفواته، وفي حال الصيام يكون ذلك أعظم وآكَدَ وأشدَّ، فلن يغني عنّا صومٌ مُلأ سبابًا وقبائح ومناكِر ومعايب، فالصائم متّقٍ لربّه طائع لأمره، عابدٌ في ذلك، إن سابّه أحدٌ أو قاتله قال:"إني امرؤٌ صائم".
خامسًا: الصيام لهجٌ بذكر الله وقراءة القرآن وكل صنوف الجود والخير والإحسان في رمضان، فالصائم على يقين أن في ذلك هدىً ونورًا ورحمةً له، وهو على ثقة بموعود الله تعالى أنه يجزي الصائمين ويوفّيهم أجرهم بغير حساب، بل لهم باب في الجنّة يُدعى [الريّان] لا يدخله سواهم كما صح بذلك الحديث.
سادسًا: الصائم حال عبادته لا يُدِل ويُمِنُّ بصومه على الله تعالى، بل يتواضع له غاية التواضع والمسكنة، ويحمد اللهَ أن هداه للذي هداه، ويشكره على واسع نعمائه، ويستغفره على تفريطه وتقصيره وأنه لم يؤدّ حقه بل لن يؤدّيه تمامًا، والله المستعان.
سابعًا: ثم إن الصائم يفطر عند مغيب الشمس، وهو اختفاء قرصها اتّباعًا لأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل إنه يُفطر على ما سنّهُ وأرشد إليه صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح عن سليمان بن عامر الضبي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور" [1] . رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
ففطر الصائم على ما سنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك يُعدّ من مظاهر عبوديّته لله تعالى، فلا غرو حينئذٍ أن يكون الصوم كله عبودية جليلة لله تعالى، ليس كما يظن بعضهم أنه صحة ورياضة وتمرين للأجساد فحسب، وغفلوا عن المعنى الشرعي الكبير من وراء الصوم.
ثامنًا: إن الصيام مع أنه انكفاف عن الطعام والشراب فليس كل ذلك غايته، بل سلامة النية مُعتبرة فيه، وصدق التعبُّد واجتناب كل معيب وقبيح، ومما يؤكد ذلك أن الصائم لو أكل أو شرب ناسيًا لا شيء عليه، بل لو أكثر من ذلك لم يكن عليه غضاضة في ذلك وكان صومه صحيحًا، وهذا من رحمة الله تعالى ولطفه بعباده الصائمين، حيث قال عند ذكر الصيام: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْر} [البقرة: 185] .
وفي الحديث المتفق عليه وأخرجه البخاري في كتاب الصوم باب"الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا"من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ نسيَ وهو صائم فأكل أو شرب فليُتمّ صومه فإنما أطعمَه الله وسقاه" [2] .
وهذا شامل لرمضان وغيره، ويؤكده صراحة ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والدارقطني من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ:"من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفّارة" [3] .
وقد بوّبَ له الإمام ابن خزيمة ـ رحمه الله ـ في صحيحه بقوله:"باب ذكر إسقاط القضاء والكفارة عن الآكِل والشارب في الصيام إذا كان ناسيًا لصيامه وقت الأكل والشرب".
ومن المستظرفات ما رواه عبد الرزّاق في مصنّفه عن ابن جريج عن عمرو بن دينار أن إنسانًا جاء إلى أبي هريرة فقال: أصبحتُ صائمًا فنسيت فطعمتُ قال: لا بأس. قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت وطعمت وشربت قال: لا بأس الله أطعمك وسقاك، ثم ثال: ثم دخلت على آخر فنسيت وطعمتُ، قال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعوّد الصيام [4] .
(1) أبو داود (2355) والترمذي (658) وابن ماجة (1699) .
(2) البخاري (1933) ، ومسلم (1155) .
(3) ابن خزيمة (1990) ، وابن حبان (3521) ، والحاكم (1/ 430) ووافقه الذهبي.
(4) انظر الفتح (4/ 186) ، والحديث في مصنّف عبد الرازق (7378) .