الصفحة 8 من 75

ثالثًا: إن الصوم حصنٌ حصين من الفواحش والشهوات، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الصيام بديلًا نافعًا ودواءً ناجعًا للشباب عند تعسّر الزواج عليهم وعدم تمكّنهم منه، ففي الصحيحين وأخرجه البخاري في كتاب الصوم باب"الصوم لمن خاف على نفسه العُزْبَة"ـ بضم العين وسكون الزاي ـ ولبعض رواه الصحيح العزوبة ـ بزيادة واو ـ عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: كُنّا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:"من استطاع منكم الباءة فليتزوّج فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه لو وجاء" [1] ، قال الحافظ رحمه الله: والمراد بالخوف من العزوبة ما ينشأ عنها من إرادة الوقوع في العنَت، وقوله"وِجاء"ـ بكسر الواو وبجيم ومد ـ وهو رضّ الخصيتين، وقيل: رضّ عروقهما، ومن يفعل ذلك تنقطع شهوته، ومقتضاه أن الصوم قامع لشهوة النكاح، واستُشكِل بأن الصوم يزيد في تهييج الحرارة وذلك مما يثير الشهوة، لكن ذلك إنما يقع في مبدأ الأمر فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك. والله أعلم. انتهى [2] .

وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي أن أختصي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خصاء أمّتي الصيام والقيام" [3] .

رابعًا: أن الصيام من أفضل العبادات وهو طريق إلى الجنة، فقد روى أحمد والنسائي وابن حبان وغيرهم بسند صحيح عن أبي أُمامة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم مُرني بعملٍ ينفعني اللهُ به، وفي لفظ: أدخُل به الجنّة. فقال صلى الله عليه وسلم:"عليك بالصوم فإنه لا مِثل له". قال الراوي: فكان أبو أُمامة لا يُرى في بيته الدخان نهارًا إلا إذا نزل بهم ضيف، فإذا رأوا الدخان نهارًا عرفوا أنه قد اعتراهم ضيف [4] .

وللصائمين في الجنّة نُزُل كرامةٍ فقد وهبهم ربّهم تعالى [باب الريّان] وخصّهم به دون سائر الناس، لما كان لهم من محبة الصيام والإكثار منه، والحديث في الصحيحين، وسوف يأتي تنويه وتذكير مخصوص بشأنه، والله الموفق.

خامسًا: ثناء الله تعالى ومغفرته للصائمين واستغفار الملائكة

لهم، ويدل على ذلك ما رواه أحمد عن أبي سعيد الخُدريّ

ـ رضي الله عنه ـ وابن حبّان عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وهو حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله وملائكته يصلّون على المتسحّرين" [5] والمتسحّرون هم الصائمون في الغالب.

سادسًا: شفاعة الصيام ومحاجّته عن أهله يوم القيامة، فقد روى أحمد والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الصيام والقرآن يَشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفِّعني فيه، قال فيشفَّعان" [6] .

وفي كتاب الله العزيز ثناء عاطر على الصيام وأهله، كما في قوله تعالى في الآية المتقدِّمة: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] وأن المراد الصائمون.

وقال الإمام البغوي ـ رحمه الله ـ في شرح السنة: باب فضل الصيام، قال الله سبحانه وتعالى: {الحَامِدُونَ السَّائِحُونَ} [التوبة: 112] . والسائحون: هم الصائمون، وسمى الصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبّدًا لا يكون له زاد، فحين يجد يطعم، فالصائم كذلك يمضي نهاره لا يطعم شيئًا. وقيل في قوله تعالى: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة: 153] . أي بالصوم، وسمى شهر رمضان شهر الصبر، وأصل الصبر الحبس، ومنه قوله سبحانه وتعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم} [الكهف: 28] ، ففي الصوم حبس النفس عن المطاعم وبعض اللذّات [7] . اهـ.

{3} حقيقة الصّيام

إن الصيام ـ وهو حبس النفس عن سائر المُفطِرات في مدة مخصوصة ـ هو امتثال وطاعة لأمر الله تعالى وحكمه، وإنه بهذا المعنى تتجلّى فيه معنى العبودية لله تعالى من أوجه:

أولًا: إن العبد وهو يقوم بهذه الطاعة لله ـ تبارك وتعالى ـ يسمو بعبوديّته الشريفة لمولاه وخالقه إذ هداه لنفعه وصلاحه وبهجته، فنِعم عباد الله الصائمون، إذا أدّوا هذه العبادة بكل انشراح ورغبة ومحبّة.

(1) البخاري (1905) ، ومسلم (1400) .

(2) الفتح (4/ 142) .

(3) المسند تحقيق أحمد شاكر رحمه الله (6612) .

(4) مسند أحمد (5/ 255) ، والسنن الكبرى للنسائي (4/ 165) ، وابن حبان (3425) .

(5) مسند أحمد (3/ 12) ، وابن حبان (3467) .

(6) المسند (2/ 174) ، ومستدرك الحاكم 1/ 740 (2036) .

(7) شرح السنة للبغوي (6/ 219) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت