"فالجُنّة هي: ما يَستجِنّ بها العبد، كالمجّنّ الذي يقيه عند القتال من الضرب، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] . فإذا كان له جُنّة من المعاصي، كان له في الآخرة جُنة من النار، وإذا لم يكن له جنة في الدنيا من المعاصي، لم يكن له جنة في الآخرة من النار" [1] .
2 -إن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك [2] : وهذه فضيلة سامية للصائمين فالخلوف المراد به تغيّر رائحة الفم بسبب الصيام، وهذا لا يحبه كثير من الناس ويستقذرونه ومع ذلك فهو أطيب عند الله من ريح المسك الذي أو أزكى الروائح عند الناس.
3 -قوله:"الصيام لي وأنا أجزي به": والمراد أنه لا رياء فيه، وإنما هو أمر قلبي بين الله تعالى والعبد بخلاف سائر الطاعات، فالصائم لا تبدو عليه أمارات جازمة تحدّد صومه أو فطره، ولهذا قد يكذب بعض ضعاف الإيمان ويدّ'ون الصيامَ وهم مُفطرِون، خشيةً وحياءً من الناس ولا يخشون الله تعالى وعقابه، وقد روى البيهقي في شُعب الإيمان حديثًا عن أبي هريرة مرفوعًا:"الصيام لا رياءَ فيه، قال الله عز وجل: هو لي وأنا أجزي به" [3] ، وهذا الحديث لو صح لكان قاطعًا للنزاع، لكن إسناده ضعيف، لأنه قد نُقل في معنى هذه الجملة نحو عشرة أقوال.
وقد يُراد بمعناه: أنّي أنفردُ بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، ويشهد لهذا رواية:"كل عمل ابن آدم يُضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله ـ قال الله ـ إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"أي أُجازي عليه جزاءً كثيرًا من غير تعيين لمقداره ويؤيده قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] ، والصابرون هم الصائمون في أكثر الأقوال [4] .
4 -قوله:"للصائم فرحتان": فالصيام مع وجود الجوع والعطش فيه، عاقبته الفرح والسرور، فرح في الدنيا وفرحٌ في الآخرة، والأخير أجلّ وأعظم، لأنه علامة الفوز والقبول والنجاح، ويوم القيامة يوم فرح وحزن، فيه يفرح المؤمنون ويحزن الكافرون، وجوهٌ مُسفرة ووجوهٌ عليها غَبرةٌ.
ثانيًا: إن الصيام كفّارة للذنوب والخطايا، ففي الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَن صامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّمَ مِن ذنبه" [5] . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنَّ ما اجتُنِبَت الكبائر" [6] . وقد أبان الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه هذه الفضيلة المتينة للصيام فقال في كتاب الصوم باب"الصوم كفارة"واستدل لذلك بحديث آخر غير هذين الحديثين الشهيرين وهو حديث حذيفة بن اليمانِ ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفّرها الصلاة والصيام والصدقة" [7] .
(1) جامع العلوم والحكم لابن رجب ص (139) .
(2) الحديث على ظاهره في إثبات استطابة الروائح لله تعالى على وجه يليق بجلاله بلا تشبيه أو تمثيل أو تحريف، قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك فمثّل النبي صلى الله عليه وسلم طيب هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا وأعظم، ونسبة استطابة ذلك إليه سبحانه وتعالى كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه، فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه وغضبه وفرحه وكراهته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوقين من ذلك، كما أن ذاته ـ سبحانه وتعالى ـ لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته لا تشبه صفاتهم، وأفعاله لا تشبه أفعالهم، وهو سبحانه يستطيب الكلم الطيب فيصعد إليه والعمل الصالح فيرفعه، وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا" [الوابل الصيّب ص 47] .
(3) شُعب الإيمان 3/ 300 (3593) .
(4) فتح الباري (4/ 130) .
(5) البخاري (1901) ، ومسلم (759) .
(6) مسلم (16) .
(7) البخاري (1895) ، ومسلم (144) .