الصفحة 2 من 75

وما أجمل وأعظم أن يزين طالب العلم نفسه بالتواضع والأدب والإنصاف والصمت والسّمت والوقار، فلا يتكلم أو يُبدي علمه وفهمه أمام شيوخه ومَن هو أجلّ وأعلّم منه إلا بإذنهم ورضاهم، قال أبو عاصم النبل رحمه الله:"سمعت سفيان الثوري وقد حضر مجلسه شاب من أهل العلم وهو يترأّس ويتكلم ويتكبّر بالعلم على مَن هو أكبر منه، قال: فغضب سفيان وقال: لم يكن السلّف هكذا، كان أحدهم لا يدَّعي الإمامة، ولا يجلس في الصدر حتى يطلب هذا العلم ثلاثين سنة، وأنت تكبر على مَن هو أسنّ منك، قُم عنّي ولا أراك تدنو من مجلسي".

قال:"وسمعت سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ يقول: إذا رأيت يتكلم عند المشايخ وإن كان قد أبلغ من العلم مبلغًا فآيِسْ مِن خيره فإنه قليل الحياء" [1] .

وذكر الخطيب في الجامع مقولة حسناء للحافظ الإمام الليث

بن سعد ـ رحمه الله ـ وقد أشرف يومًا على أصحاب الحديث، فرأى فيهم شيئًا فقال:"ما هذا؟! أنتم إلى يسير من الأدب أحوج منكم إلى كثير من العلم".

ولا يضير طالب العلم أن يعتذر عمّا لا يعلمه، ويكِل العلم والفهم إلى أهله وأربابه، بل يُعلِّم منطقه قول:"لا أدري".

قال حبر الأمّة عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ"إذا ترك العالِم لا أدري أُصيبت مَقاتِله"أخرجه ابن عبد البر في جامعه بسند حسن [2] .

وقال عامر الشعبي رحمه الله تعالى:"لا أدري نصف العلم". أخرجه الدارمي والخطيب في الفقيه والمتفقِّه بسندٍ صحيح [3] .

فالتمس العلمَ وأجمِل في الطلبِ ... والعلم لا يَحسُن إلا بالأدب

والأدب النافع حُسن السّمتِ ... وفي كثير القول بعض المقت

فكن لحُسن الصمت ما حَيِيتا ... مُقارِفًا تُحمَدُ ما بقيتَا

وإنْ بدَت بين أُناسٍ مسألة ... معروفةٌ في العلمِ أو مُفتعلة

فلا تكن إلى الجوابِ سابقا ... حتى ترى غيركَ فيها ناطقا

فكم رأيت من عَجُول سابقِ ... من غير فهمٍ بالخطَأ ناطق

أزري به ذلك في المجالسِ ... عند ذوي الألبابِ والتنافس

والصمتُ فاعلم بك حقًا أزينُ ... إن لم يكن عندكَ علمٌ مُتقَنُ

وقل إذا أعياك ذاك الأمرُ ... مالي بما تسأل عنه خُبْرُ

فذاكَ شطر العلمِ عند العُلما ... كذاك ما زالت تقول الحُكما

العلم بحرٌ منتهاه يبعُدُ ... ليس له حدُّ إليه يُقصَدُ

وليس كل العلم قد حويته ... أجل ولا العُشر ولو أحصيته

وما بقى عليك منه أكثرُ ... مما علمت والجواد يعثُرُ

وبعد هذه التوطئة المهمة يطيب لي أن أتقدم إلى الإخوة القرّاء بهذا الكتاب المتواضع الذي اشتمل على مواعظ وكلمات تتعلق بشهر رمضان المبارك، وهي عبارة عن فيض خاطر مكدود، وجود تفكير محدود، ونهاية تقليب أسفار العلماء المتقدمين والمتأخرين كما ستراه مبينًا في مظانِّه.

ولست أدّعي فيه إتمام ما كتبتُ، أو إحكام ما سطّرتُ ورتّبت، ولا نُلزِم أحدًا برأي جنحنا إليه ما لم يكن هناك نص ثابت صريح، أو إجماع محفوظ منقول.

ومع هذا فنحن ننصح أيضًا بسلوك الجادّة في فهم الكتاب والسنة دون غلوّ وجفاء، وتعظيم الأئمّة وتبجيلهم، وعدم الشذوذ واقتفاء الغريب، أو تحميل النصوص أو ليّها هوىً وتعصبًّا، أو لأجل الانغماس في لجة التقليد والتبعية، فالحق أحق أن يُتّبع ويُنصَر، وأجدرُ أن يُذكر ويُنشر، ولو قال به قِلّة أو فرد واحد.

قال الناظم:

وبَجِّل الأئمّة الأخيارا ... وكُن كليهم مُثنيًا مِكثارا

ولا تؤاخذ أحدًا بهفوتهْ ... لدينه وعلمه وسيرِتِهْ

ولا يُتابَعْ أبدًا في زلّته ... وليس فضل علمه بعصمته

ولو رددنا علمه بما ورد ... لما سلم من فعلنا كل أحد

بل نأخذ المحاسن والفضائل ... ونهجرُ المساوئ والغوائل

فهكذا قرّره ذوو النظر ... كالنووي والذهبيّ وابن حجر

ونزِّه النفس فلا تشُذَّا ... كذا الترخّص ورَعًا ونبذا

ثم إليك القول بالمصارحة ... عليك بالدليل والمتابعة

إياك والتقليدَ للإمامِ ... وتركَك الدليل للكلام

وخُذ من الحديث والكتابِ ... وتابعِ الحقَّ ولا تُحابي

فهكذا قد نهج الأئمّة ... وقاله البحرُ إمام السنّة

وأؤكد مرة أخرى على قضية الإنصاف في المسائل العلمية وعدم المجاوزة فيها والجور، وبخس الناس حقوقهم، وألا يحملنا الخلاف مع سوانا ضرّهُ وجوره والتضييق عليه والتشهير به، وذلك رجاء موافقة الحق والهدى، وتحقيق العدل والتقوى، وتقدير الناس وإنزالهم منازلهم، {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] . {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152] .

ورحم الله الإمام مالك ابن أنس إذ شكا قلّة الإنصاف في عصره وضعفه وهضم الناس له فقال:"ما في زماننا شيء أقلّ من الإنصاف" [4] .

(1) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (679) .

(2) جامع بيان العلم وفضله (2/ 54) .

(3) الدارمي (1/ 93) ، والفقيه والمتفقه (2/ 173) .

(4) جامع بيان العلم وفضله 1/ 531 (866) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت