وساق ابن عبد البر ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه الجامع في فصل"في الإنصاف في العلم"قوله:"من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه، ومَن لم ينصف لم يفهم، ولم يتفهّم"وقال بعض العلماء:"ليس معي من العلم إلا أنني لست أعلم".
وقال محمود الوراق:"أتمُّ الناسِ أعرفهم بنقصه، وأمحقهم لشهوته وحرصه" [1] .
رحم الله العلماء الصادقين والأئمة المنصفين، الذين طلبوا هذا الشأن فتأدّبوا، وتعلّموا فرشدوا، وحكّموا فعدلوا، ونطقوا فأنصفوا.
فيا طلاّب العلم ومحبّي الحق ومريديه: نحن في هذه الأزمان أحوج إلى كثير من الإنصاف والعدل وعدم الجور والاعتساف في علمنا ونقدنا للكتب والأشخاص والفنون، إذ أن هذه الخصلة الحميدة انسلخَت من كثير ممن ينتسب للعلم الشرعي، بل العجب أن ترى هؤلاء يصنّفون كتبًا ورسائل في آداب الطلب وأخلاقه ومزالقه، ويركزون على هذه القضية ويحذرون من خرقها، فإذا ما انبرى للنقد أو الإنكار على المخالف، تعرّى من هذه الصفة وبان لك ظلمهُ وجَوْرُه وسوء أدبه، والله المستعان!!
على أنه ينبغي أن يُعلَم أن أهل العلم والفضل الذين ذاع فضلهم في الناس واستفاضَت عدالتهم ومحاسنهم إذا وقع منهم ما يستحق النقد والتعقّب لا يجوز بكل حال إهدار فضلهم وإغفال حسناتهم، ونشر هفواتهم وزلاتهم بكل عناية وتدقيق وتمحيص، زاعمين أن ذلك قُربة وذَوْد عن الحِمى وقمع للبِدَع، والله المستعان.
قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله:"والصحيح في هذا الباب أن مَن صحّت عدالته وثبتت في العلم إمامته، وبانت ثقته وبالعلم عنايته لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببيّنة عادلة يصح بها جرحته على طريق الشهادات" [2] .
وقال التاج السبكيّ رحمه الله تعالى:"إن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر ما دِحُوه ومزكّوه وندر جارحه، وكانت هناك قرينة دالّة على سبب جرحه مِن تعصّب أو غيره فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة، وإلا فلو فتحنا هذا الباب أو أخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه الطاعنون، وهلك فيه الهالكون" [3] .
ثم قال:"ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول:"
ومَن ذا الذي ينجو من الناسِ سالمًا ... وللناس قالُ بالظنونِ وقيلُ
وقيل لابن المبارك: فلان يتكلم في أبي حنيفة فأنشد:
حسدوكَ أن رأَوْك فضلك الله ... بما فُضّلت به النُّجبَاء [4]
وقال الإمام الذهبي ـ رحمه الله ـ في ترجمة إمام التفسير قتادة بن دعامة السدوسي ـ رحمه الله ـ أحد أوعية العلم وممّن يُضرَب بهم المثل في الحفظ والإتقان، بعد أن اعتذر عنه ممّا قيل فيه:"ثم إن الكبير من أئمّة العلم إذا كثر صوابه، وعُلِم تحرّيه للحق، واتّسَع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه يُغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم: ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك" [5] انتهى.
وشرف الإنسان وقيمته أن يصون نفسه من ذلك كله ولا يحط من قدره، وأن يعرف الأهل الفضل فضلهم، ولأهل العلم مكانتهم، ذابًا عن أعراضهم ومنافحًا عنهم، معتقدًا أن ذلك تديّنًا وذودًا عن الحمى وعرفانًا للفضل والإحسان، وكل ذلك يدل على رفعته وسموّه ومزيد فضله وذكره.
وما عبّر الإنسانُ عن فضل نفسه
بمثل اعتقاد الفضل في كل فاضل
وإنّ أخسّ النقص فأن يتّقي الفتى
قذي النقص عنه بانتقاص الأفاضل
والمعرضون عن هذا المسلك هم المنحرفون عن جادّة السبيل والسداد والصواب، المتنكبّون لقوس الجور والتنقّص والاعتساف، الراضون برتبة الضعة والنقص والامتهان وقد تقلّدوها، والحمد لله رب العالمين.
ولا غرو فهذه مغبة الوقيعة في الخيار الأفاضل، الكرام الأماثل مَن كانوا على نهج السلف المهتدين وسلكوا طريق المصلحين، وأعلوا منارة الثناء الجميل وظهور الصيت والمخالفين، فكان جزاؤهم من ربهم في الدنيا الثناء الجميل وظهور الصيت والقبول الدائم، وجزاء حُسّادهم الشقاء والعناء والخفاء {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ: 26] .
أيها الإخوة الكرام:
عُذرًا، هذه كلماتٌ اقتضاها ظلمٌ سَرَى إلى الخيار، وحكمٌ خلاَ من الإنصاف، في عصرٍ تعاظمَ فيه تيّار الظلم والتجاوز والبخس!، مع جلاء الحق وبلجه، وخفاء الباطل ولجلجته، فالله المستعان وعليه التُكلان، وهو يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مستقيم.
وفي الختام أسأل الله تعالى الحيّ القيوم، أن ينفعنا بالعلم وأن يبارك في العمل ويقينا الزلل، وأن يجعل هذه الكلمات خالصة لوجهه، راجية مرضاته، نافعة لعباده من كاتبه وقارئه ومحصِّه وناشره.
وإنّي لسائلٌ ذوي الألباب الفُضَلاء ـ بعد الاعتذار
(1) جامع بيان العلم وفضله 1/ 530.
(2) المصدر السابق 2/ 1093.
(3) طبقات الشافعية الكبرى (2/ 9) .
(4) جامع بيان العلم وفضله (2/ 1116) .
(5) السير (5/ 271) .