فهرس الكتاب
وفي وصف النبيّ صلى الله عليه وسلم بكثرة الجود في الحديث المشهور:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان" [1] . معنى أعمّ من قصر الجود على باب واحد من الخير، فلم يكن جوده صلى الله عليه وسلم قاصرًا على الإنفاق والسخاء أو على العبادة وقراءة القرآن، بل كان جوده ضروبًا من الخيرات والطاعات كما هو معلوم من سيرته النبيلة، فهو ذو عبادة وقراءة للقرآن، يذكر الله على كل أحيانه، ويجود بأنفَس ماله، ويعلّم الجاهلين ويطعم المساكين ويُغيث المنقطين والمعدومين، وقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .
وفي رمضان تسطع أبواب من الخير فاضلة، فقراءة القرآن لها طعم وحلاوة، وحِلَق الذكر والعلم أُنسٌ وحياة، والصدقة وتفطير الصائمين أجر عظيم جدًا، والدعوة ونشر الخير مَنجاة وهداية، وإمامة الناس في الصلاة وتفقيههم في الدين خيرية رفيعة.
فلماذا يتقاعس بعض الأخيار عن هذه الأبواب المباركة؟! إن قراءة القرآن من أجلّ الطاعات وأسمى القُربات التي ينبغي العناية بها، لكن أين الصالح الذي يمكث ليله ونهاره مع القرآن لا يفتر ولا ينام إلا قليلًا؟! إن المسلمين مع إقبالهم في رمضان على قراءة القرآن لا يغطي ذلك جلّ أوقاتهم بل ثمّة أوقات تذهب في المنام والطعام وكثرة الكلام، فالجنوح إلى تلك الأبواب النافعة مع قربها، خير من التحجّج والاعتذار بقراءة القرآن مع التقصير ودوام التراخي والتفريط.
فالناس في رمضان يسألون عن أمور دينهم من الصيام وغيره، يرجون الحق والصواب، وآخرون فقراء يستشرفون للصدقات والمساعدات، وجماعات في قرى نائية يتمنّون إمامًا حسّن التلاوة يصلي بهم التراويح ويقرأ عليهم ما يفقههم وينفعهم في دينهم، مَن لهؤلاء؟! إذا أبَق الخرّيجون وطلبة العلم.
فسبحان الله! احتشى صائمٌ مالًا نسي الصدقة في رمضان؟! ورجل فقُهَ علمًا هان لديه التعليم، وآخر عظم دعوةً قصّر في النصح والبلاغ!!، كأن هؤلاء قد زهدوا في الحسنات والطيبات، إنما الزهد في أمور الدنيا الزائلة، ليس في نيل أجر أو كسب حسنة أو تحصيل رحمة، فالزاهد في الخير والثواب سفيه العقل والنفس، قد ظلم نفسَه وقطع حظّه وبخس تجارته.
وربما اعتذر بِداء التغافل والنسيان أو بالانقياد لعاطفة الأكثرية الصادعة والسائرة في نطاقٍ ضيّق من الخير، بسبب خفاء التفقّه وانحسار الوعي والتفكير.
والموفق المهدي الذي يشرح الله صدره للفقه في الدين، فيدرك من أنوار الرسالة ما يعرف به مظان الخير والشر، فيتزوّد من الخيرات ويصيب من السنن، حسب همّته التي وهبها الله تعالى وبارك فيها، إذ تُصبح نفسُه شريفة توّاقة تطلب العلاء ولا ترضى بالأقذاء، وتسارع في الباقية وتنام عن الفانية.
قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله:"إن لي نفسًا توّاقة ما نالت شيئًا إلا تاقَت إلى ما هو أفضل منه، وإنها لما نالت هذه المنزلة ـ يعني الخلافة ـ وليس في الدنيا منزلة أعلا منها تاقَت إلى ما هو أعلا من الدنيا. يعني الآخرة".
ولا يُفهم من هذا الحديث أن كل النفوس مطالبة بكل طرق الخير، بل وليست مهيأة لها كلها، لأنه من البدهي أن الطبائع والنفوس والقدرات مختلفة ومتفاوتة، لكن العبد المؤمن أعلم بنفسه وأخبر، والخير منه في أزمنة أقرب وأوفر، وداعي الضعف إليه أسرع وأمكر، وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (الجنّة أقرب إلى أحدِكُم من شِراك نعله، والنار مثل ذلك) رواه البخاري عن ابن مسعود [2] .
المسألة السادسة ـ تتبّع المساجد الكبيرة والأصوات الحسنَة في رمضان:
يعمد كثير من المسلمين في رمضان إلى تتبُّع المساجد الكبيرة والأصوات الحسنة بالقرآن رجاء صلاح النفس وخشوع القلب وهذا مقصد نبيل، وغير خافٍ أن استماع القرآن من صوت حسَن يجذب النفوس ويرقّق القلوب ويورث التدبّر والانتفاع غالبًا، لكن قد بولِغ في هذا الأمر، حتى إن بعض الأخيار من ذوي العلم والمعرفة تركوا مساجد أحيائهم وقُراهم التي هي أحوجُ إليهم في إقامة الجماعة وتكثيرها وتعليم الناس والقراءة عليهم، وقد نص أهل العلم على أن المتتبِّع للجماعات لمقاصد حسنة، يأثم إذا تضررّ مسجد حيِّه بسبب تخلّفه، كأن يكون مثلًا لن تقام الجماعة إلا بحضوره، ولا ريب أن مُكث الإنسان في مسجده لتعليم الناس والصلاة بهم خير له من ذلك الصنيع، وفي ذلك من تحصيل الثواب وعظيم الأجر ما يربو على هذا.
(1) سبق تخريجه.
(2) البخاري (6488) .