فهرس الكتاب
قال ابن المنيّر في الحاشية:"أخذ البخاري شرعية السواك للصائم بالدليل الخاص، ثم انتزعه من الأدلة العامة التي تناولَت أحوال متناول السواك، وأحوال ما يُستاك به، ثم انتزع ذلك من أعمّ من السواك وهو المضمضة إذ هي أبلغ من السواك الرّطب [1] ."
وما أحسن ما قاله بعضهم حول هذه المسألة:
وسنّة السواك أبهى السّننِ ... فاضلةٌ غانيةٌ بالمِنن
فيها الرسول أكدَّا وقرّرا ... لولا المشقة كنت حتمًا آمِرا
عند الوضوء دومًا والصلاةِ ... مندوبة في سائر الأوقات
في الفطر والصيام لا يُفرّق ... فهكذا النصُّ جليٌّ مُطلقُ
والفُتيا من مُعاذ نصُّ واضحُ ... واختاره"التقيّ"وهو الراجحُ
والرطبُ لا يُكره هذا الأظهرُ ... قول"ابن سرين"بديع أمهرُ
بيّنَه البخاري في الصحيحِ ... وأشهره في بابه المليح
فالمضمضة أبلغ في الكراهةْ ... لِمن بغى الإنصاف والنزاهةْ
وإنها في الصوم لا تَنافي ... بينهما من غير ما خلاف
المسألة الخامسة ـ ترك بعض أبواب الخير في رمضان:
كحِلَق العلم والدعوة والإنفاق وصنائع المعروف وأشباهها.
لما كان رمضان شهر القرآن اعتقد كثير من المسلمين أن أبلغ طاعة تُبذل فيه هي قراءة القرآن، فتجدهم أهل جدّ واهتمام بالتلاوة وهو كما صنعوا، فالقرآن وثيق الصلة برمضان يحلو ويعظم ويتبارك فيه، لكن يغفل كثيرون عن أبواب شتّى من الثواب إذ قد ترامى إلى مسامعهم حرص السلف الصالح ومسارعتهم إلى كتاب الله في رمضان،"فلقد كان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام. وقال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان نفَرَ من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على تلاوة القرآن. وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان فإذا طلعت الشمس نامت. وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه [2] ."
وقد قدّمنا فيما سبق أخبار ختامتهم الكثيرة في رمضان، وفيها تشجيع مؤثِّر لكل قارئ وسامع، ولا ارتياب أن قراءة القرآن في رمضان وظيفة منشودة مرغوبة، وقُربة محمودة مطلوبة، تُستفرَغ لأجلها الأوقات وتُعمر بها الليالي والساعات.
وإذا كان ذلك هو ديدَن السلف الأخيرا فقد كانوا أهل اقتدار واصطبار، لا تُقاس هممهم وأحوالهم ونفوسهم بحال مَن بعدهم في سراعهم إلى الطاعة وانهماكهم فيها إلى حدٍّ عجيب، ثم ليُعلم أن ذلك لم يكن سمة لجميعهم، ولا يعني ذلك هجرهم لأبواب الخير المختلفة ففي بعضها الأجر الأتمّ والثواب الأجلّ والسرور الأكمل الأغرّ، وقد تتيسّر للمسلم أبواب من الطاعة يقصر بها عن طلبها قلة الفقه أو ضعف الهمة أو سوء التربية، فإذا ما انصرفت عنه تلك الأبواب، ندم على أن لا أتاها أو طرَق بابَها.
وأبواب الخير العِظام كلها مفاتيح للجنّة وسبُل لنيل المغرفة والرحمة، وفي أمر الله تعالى بالمسارعة إلى المغفرة والجنة في قوله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] إطلاق للمسارعة بكل باب من أبواب الخير والطاعة.
فقصر رمضان على باب واحد من الطاعات دون بقية الأبواب خلل وضعف ومُجانبة لهدى النبي صلى الله عليه وسلم لا سيما عند تيسُّر تلك الطاعات وسهولتها.
والمشروع للمسلم التزود من الأعمال الصالحات والاستكثار منها في رمضان وغيره، وليس حكر رمضان على واحد دون سواه، وأخْذ النفوس على الاستكثار والتَنوُّع عاملٌ مهم في بنائها وتهذيبها وتثبيتها وترويضها، ويساعد على تهيأتها وتأهيلها لسائر طرق الخير والبرّ، فالنفوس تفتر وتكلّ وتنصَب وتملّ، وفي سلوك التنويع بها إسعاد وانشراح وإجمام لها وانفساح، ولعل هذا من حِكَم كثرة طرق الخير واتساعها واختلافها، وهذا ملحظٌ واضح في تشريعات الإسلام لا سيما العبادات الشرعية، رُوي عن عليّ رضي الله عنه قال:"أجمّوا هذه القلوب واطلبوا لها طرائف الحكمة فإنها تمّل كما تملّ الأبدان"وصح عن الزهري رحمه الله أنه قال:"روّحوا القلوب ساعة وساعة" [3] .
(1) انظر الفتح (4/ 188) .
(2) لطائف المعارف ص (318 - 319) .
(3) جامع بيان العلم وفضله (1/ 433 - 434) .