الصفحة 46 من 75

فأما الأثر: ما رواه الدارقطني عن عليّ رضي الله عنه مرفوعًا، والبيهقي موقوفًا عليه:"إذا صُمتُم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشيّ، فإنه ليس من صائمٍ تيبس شفتاه بالعشي، إلا كانت نورًا بين عينيه يوم القيامة" [1] .

وهذا الحديث ضعيف، في سنده كيسان أبو عمر ليس بالقوي، ومَن بينه وبين عليّ غير معروف كما صرّح بذلك أبو الحسن الدارقطني، وقد ضعّفه الحافظ في التلخيص بقوله:"وإسناده ضعيف" [2] .

وأما النظر: فهو مستفاد من قوله في الحديث: (لَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) [3] ، قالوا: والسواك إذ هو أثر عبادة مُستطاب فيُكره إزالته كدمِ الشهيد.

وهذا النظر فيه نظر لأن هذا الخلوف الطيب آتٍ من المعدة والحلق لا من الفم، وحينئذٍ لا يلزم شيء من ذلك.

والكراهة في السواك للصائم بعد الزوال مروية عن بعض الأئمة كالشافعي في قولٍ، ولهذا يقول ابن رسلان الشافعي في متن الزبد:

يُسَن لا بعدَ زوالِ الصائم

وأكَّدوه لانتباه النائمِ [4]

وعن الإمام أحمد وإسحاق ترك السواك بالعشي [5] .

والصواب في المسألة مشروعية السواك للصائم في كل الأوقات لعموم الأدلة المرغِّبة في السواك ولم تخصّ صائمًا ولا سواه.

كحديث أبي هريرة المتفق عليه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) [6] . وفي رواية لأحمد وغيره (لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) [7] ، وقد علّقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم [8] .

والقول باستحباب السواك للصائم مطلقًا هو قول الشافعي ورواية عن أحمد اختارها الشيخ تقيّ الدين كما في الاختيارات وقال: إنه الأصح [9] .

وقال في الفتاوى: ولم يقم على كراهيته ـ أي بعد الزوال ـ دليل شرعي يصلح أن يخص عمومات نصوص السواك، وقياسه على دم الشهيد ونحوه ضعيف من وجوه [10] .

بل قد ورد حديث صريح بخصوص المسألة أخرجه الطبراني عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل: أتسوّك وأنا صائم؟ قال: نعم، قلت: أيّ النهار؟ قال: غدوة أو عشيّة، قلت: إن الناس يكرهونه عشية ويقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) قال: سبحان الله! لقد أمرهم بالسواك، وما كان بالذي يأمرهم أن يُنتنوا أفواههم عمدًا، ما في ذلك من الخير شيء، بل فيه شرّ [11] . وهو أيضًا في مسند الشاميين.

قال الحافظ:"إسناده صحيح" [12] .

قال الحافظ في التلخيص: وهذا اختيار أبي شامة وابن عبد السلام والنووي وقال: إنه قول أكثر العلماء وتبعهم المزني [13] ، وهو ظاهر صنيع البخاري في صحيحه [14] .

وأما الاستدلال بحديث عامر بن ربيعة الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم فلا يصلح لأنه حديث ضعيف، ولفظه:"رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم ما لا أُحصي ولا أعدّ" [15] . ولا يُلتفت إلى تحسين الترمذي هنا، لأنه جارٍ على تساهله المعروف، فالحديث في سنده عاصم ابن عبيد الله وهو ضعيف كما في التقريب [16] .

وقد أشار شيخ الترمذي الإمام البخاري إلى ضعفه في الصحيح إذ علّقه بصيغة التمريض [17] .

وحديث:"مِن خير خصال الصائم السواك"رواه ابن ماجة في سننه [18] ، وهو حديث ضعيف ضعّفه ابن القيم وغيره [19] . وبهذا التقرير الموثَّق تندفع الكراهة الشائعة عند الناس، والله أعلم.

وحول السواك للصائم كره بعض العلماء السواك الرطب كأحمد في رواية، وهو قول قتادة والشعبي والحكم وإسحاق ومالك في رواية.

قالوا: لأنه مغرِّر بصومه، لاحتمال أن يتحلل منه أجزاء إلى حلقه فيفطره [20] .

والمختار: أنه لا يُكره لعموم الأدلة، وهو مذهب الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأفتى به ابن سيرين كما في الصحيح معلّقًا بصيغة الجزم قال:"لا بأس بالسواك الرطب قيل: له طَعم، قال: والماء له طعم وأنت تمضمض به"ووصله ابن أبي شيبة من طريق أبي حمزة المازني [21] .

وفي المصنف عن عروة ومجاهد والحسن وعطاء تجويز ذلك [22] وقد استظهر البخاري هذا الاستدلال الحسن، فأورده في كتاب الصوم وعقد ترجمة فيه، باب سواك الرطب واليابس للصائم، وأورد في آخرها حديث عثمان ـ رضي الله عنه ـ في صفة الوضوء [23] .

(1) الدارقطني (249) والبيهقي (4/ 274) .

(2) التلخيص الحبير ص (22) .

(3) البخاري (1894) .

(4) متن الزبد ص (15) .

(5) المغني (4/ 359) .

(6) البخاي (887) ، ومسلم (252) .

(7) أحمد (2/ 460) .

(8) البخاري (2/ 39) .

(9) الاختيارات: ص (10) .

(10) الفتاوى (25/ 266) .

(11) المعجم الكبير (20/ 70) [133] ، ومسند الشاميين (2250) .

(12) التلخيص ص (113) .

(13) التلخيص ص (22) .

(14) انظر الفتح (4/ 187) .

(15) أحمد (3/ 445) ، وأبو داود (2364) ، والترمذي (725) .

(16) التقريب ص (472) .

(17) البخاري (2/ 39) .

(18) ابن ماجة (1677) .

(19) زاد المعاد (2/ 63) .

(20) المغني (4/ 359) .

(21) مصنف ابن أبي شيبة (1/ 9171) .

(22) مصنف ابن أبي (2/ 296) .

(23) البخاري (2/ 39 - 40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت