الصفحة 45 من 75

وأما ذهاب بعض الفقهاء إلى وجوب صومه فلا مِراء في ضعف هذا المذهب، وقد صنّف القاضي أبو يعلي محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي جزءًا في تصحيح هذا المذهب، ثم صنّف الخطيب الحافظ أبو بكر أحد ابن علي بن ثابت البغدادي الشافعي جزءًا في الردّ عليه، والشناعة عليه في هذه المسألة ونسبته إلى مخالفة السنّة وما عليه جماهير الأمّة، ومضمون مقاصد الجزأيْن ومحاكمتهما بإنصاف محرّرة في المجموع شرح المهذّب لأبي زكريا يحيى بن شرف الدين النووي [1] رحم الله الجميع.

المسألة الثالثة ـ الاضطراب في النّية للصيام:

الإجماع منعقد بين الفقهاء على أنه لا يصح صوم إلا بنيّة، وقد حكاه غير واحد منهم، ويعنُون بالنيّة، القصد، وهو اعتقاد القلب فعل شيء وعزمه عليه من غير تردد، فمتى خطر بقلبه في الليل أن غدًا من رمضان وأنه صائمٌ فيه فقد نوَى [2] .

والأصل في اعتبار النية للصيام ما أخرجه أصحاب السنن من حديث عبد الله بن عمر عن أخته حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له) [3] . وهذا الحديث ممّا اختلف المحدِّثُون في رفعه ووقفه، ورجّح الترمذي والنسائي الموقوف، بعد أن أطنب النسائي في تخريج طرقه، وحكى الترمذي في العِلل عن البخاري ترجيح وقفه، وقد صححه على ظاهره جماعة منهم ابن خزيمة والحاكم والبيهقي وابن حزم وغيرهم [4] .

وهذا الحديث ـ وإن كان إلى الوقف أقرب ـ إلا أنه لا يمتنع رفعه حُكمًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لِما عُلم من أن مثله لا يُقال من باب الرأي والاجتهاد.

أيها الإخوة الكرام:

يُلحظ على بعض الصائمين اضطرابهم وتهوكهم في مسألة النية للصيام مما قد يجرّهم إلى وسواس واقع، ماله رادع ولا دافع يضرّهم ويفسد عليهم أحوالهم، ويجعلهم في حيرة من الأمر وارتياب في القول والفعل.

فثمّةَ أُناس يعتقدون أنه لابد من أن ينوي الإنسان صوم رمضان مستغرقًا بها جميع الليل ويتلفّظ بالنية كل ليلة، أو يدّعون تحتّم النية مع السحور أو قبيل الفجر، وهذا كله بلا شكّ غاية الجهل والوسوسة، لأن المرء المسلم بمجرّد إطلالة رمضان قد أزمع في نفسه الصيام، ولا يحتاج إلى هيئة معيّنة للنية ولا نُطق بها فكل ذلك مما لا يُشرع، بل استقرار العزم على الصيام كافٍ في حصول النية، ومتى ما تهيّأ المسلم للسحور فقد نوى الصيام وألمع لنفسه به.

وهل يفتقر كل يوم من رمضان إلى نيّة؟ الجمهور نعم، وعن الإمام أحمد أنه يُجزئه نيّة واحدة لجميع الشهر إذا نوى صومه كله، وهو الصواب وبه قال مالك وإسحاق وإليه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث ورد عليه هذا السؤال فقال:"كل مَن علمَ أن غدًا من رمضان وهو يريد صومه فقد نوى صومه سواء تلفّظ بالنية أو لم يتلفّظ، وهذا فعل عامة المسلمين، كلهم ينوي الصيام" [5] .

وتبييت النية من الليل هذا واجب في صوم الفرض، أما النفل فلا يجب ففي أي وقت من النهار أجزأَهُ هذا مذهب الجمهور في المسألة، وحدّه فقهاء الشافعية بالزوال فمتى زالت الشمس لم يجزه الصيام، لأن معظم النهار مضى من غير نية بخلاف الناوي قبل الزوال فإنه قد أدرك معظم العبادة، وهذا قول الحنفية واختاره القاضي من الحنابلة [6] .

ودليل هذه المسألة ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: (هل عندكم من شيء؟) فقلت: لا، قال: (فإني إذًا صائم) ، ثم أتانا يومًا آخر فقلنا: يا رسول اله أُهديَ لنا حَيْس، فقال: (أرينيه فلقد أصبحتُ صائمًا) [7] .

وممن رُوي عنه إنشاء النيّة من النهار في التطوع، ذكَرهم البخاري في صحيحه قال في كتاب الصوم باب إذا نوى بالنهار صومًا: وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا قال: فإني صائمٌ يومي هذا. وفعَله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة رضي الله عنهم [8] ، وزاد ابن المنذر رحمه الله: ابن مسعود وأبا أيّوب الأنصاري [9] .

{17} مَفاهِيم خَاطِئَة في رَمضَان

المسألة الرابعة ـ السواك للصائم:

اشتهر عند عوام المسلمين كراهة السواك للصائم لا سيّما بعد الزوال، وقد بُنيت هذه الكراهة على أثر ونظر ضعيفين:

(1) انظر المجموع شرح المهذّب (6/ 408) وما بعدها.

(2) المغني (4/ 337) .

(3) أبو داود (2454) ، والترمذي (730) ، والنسائي في الكبرى (2/ 116) ، وابن ماجة (1700) ، وابن خزيمة (1933) .

(4) انظر فتح الباري (4/ 169) ونصب الراية (2/ 433، والإرواء(4/ 25) .

(5) مجموع الفتاوى (25/ 215) .

(6) المغني (4/ 341) .

(7) مسلم (1154) .

(8) البخاري (2/ 36) .

(9) انظر الفتح: (4/ 168) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت