فهرس الكتاب
2 -القضاء: فمَن عليه أيام من رمضان سابق، عليه أن يبادر بقضائها لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] .
3 -النّذر: لقوله صلى الله عليه وسلم: (مَن نذَر أن يطيع اللهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَن نذر أن يعصي اللهَ فلا يعصه) [1] .
فأحكام الحديث ما يأتي:
1 -تحريم تقدُّم رمضان بصومٍ بنّية الاحتياط له.
2 -وفيه ردُّ على مَن يرى تقديم الصوم على الرؤية كالرافضة.
3 -وفيه جواز ذلك لمن كان له عادة اعتاد عليها كصيام الاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر.
4 -وفي الحديث منع إنشاء الصوم قبل رمضان إذا كان لأجل الاحتياط، وإن زاد على ذلك فمفهومه الجواز، وقيل: يمتد المنع لِما قبل ذلك وبه قطع كثير من الشافعية وحدّوه من أول السادس عشر من شعبان لِما رواه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) [2] ، وحملوا حديث التقدّم على منع الصوم مطلقًا، وإنما عبر فيه بيومٍ أو يومين لأنه الغالب ممّن يقصد ذلك.
وهناك قولان آخران في المسألة:
جمهور العلماء: جوّزوا الصوم تطوّعًا بعد النصف من شعبان، وضعّفوا الحديث الوارد فيه فقد قال الإمامان أحمد وابن معين: إنه منكر لمعارضته صحاح الأحاديث الواردة في فضل صوم شعبان، وقد حمل أبو بكر البيهقي حديث العلاء على من يُضعفُه الصيام.
وقال الرويانيّ من الشافعية: يحرم التقدم بيوم أو يومين لحديث النهي عن تقدم رمضان، ويُكره التقدم من نصف شعبان للحديث الآخر [3] .
5 -وفي الحديث كراهة صوم يوم الشك أو الإغمام، لأن صومه قبل رمضان تقدّم عليه، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيتِه فإن غُمِّيَ عليكم فعدُّوا ثلاثين" [4] ."
وفي صحيح ابن حبّان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيته، فإن حالت دونه غمامه فأكمِلوا ثلاثين" [5] . والحديث إسناده حسن وهو صريح أن صوم يوم الإغمام من غير رؤية ولا إكمال الثلاثين، صومٌ قبل رمضان [6] ."
قال ابن القيّم رحمه الله في الهدي النبوي: (وكان إذا حال ليلة الثلاثين دون منظرِهِ غَيمٌ أو سحاب أكمل عدّة شعبان ثلاثين يومًا ثم صامه، ولم يكن يصوم يوم الإغمام ولا أمَر به، بل أمر أن تُكمل عدة شعبان ثلاثين إذا غُمّ، وكان يفعل كذلك، فهذا فعله وهذا أمره ولا يناقض هذا قوله(فإن غُمّ عليكم فاقدُروا له) [7] فإن القدر هو الحساب المُقدَّر والمراد به الإكمال كما قال (فأكمِلوا العدّة) والمراد بالإكمال إكمال عدة الشهر الذي غُمّ، كما قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: (فأكمِلوا عدّة شعبان) [8] .
وقد رُويت المخالفة في هذه المسألة من بضعة عشر عالمًا ما بين صحابيّ وتابعيّ رأوا صيام يوم الإغمام وهي رواية عن الإمام أحمد اختارها أكثر شيوخ أصحابه وهي من أفراد مذهبه [9] .
فكيف ساغ لهؤلاء الأئمة مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع شهرة الحديث وثبوت أحاديث تنهي عن الصيام قبل رمضان، بل قد قال عمّار رضي الله عنه:"مَن صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم"أخرجه أصحاب السنن [10] وعلّقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم، وهذا يوم شكّ، ولأن الأصل بقاء شعبان فلا يُنتقل عنه بالشكّ [11] .
فالجواب عن ذلك: أن أكثر الآثار عن الصحابة في صيامه لا تصح، وما صح منا ليس صريحًا في وجوب صيامه، وإنما غاية المنقول عنهم صومه احتياطًا وتحرّيًا على وجه الاستحباب لا الوجوب كما صح عن ابن عمر صيامه عند عبد الرازق في مصنّفه [12] .
وصح عنه أنه قال:"لو صمتُ السنة كلها لأفطرتُ اليوم الذي يُشكّ فيه"ولم يكن الصحابة كلهم يصومونه، بل ثبت عن جماعة وجوب فطره ويرونه السنّة كحبر الأمّة عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما [13] .
(1) البخاري (6696) .
(2) أبو داود (2337) ، والترمذي (738) وابن ماجة (1651) وابن حبان (3589) .
(3) انظر الفتح (4/ 153) .
(4) البخاري (1909) ، ومسلم (1081) .
(5) ابن حبان (873) .
(6) انظر زاد المعاد (2/ 41) .
(7) البخاري (1906) ، ومسلم (1080) .
(8) انظر زاد المعاد (2/ 39) .
(9) انظر المغني (4/ 330) .
(10) أبو داود (2334) ، والترمذي (686) .
(11) المغني لابن قدامة (4/ 331) .
(12) مصنف عبد الرزاق (7323) .
(13) زاد المعاد (2/ 45 - 47) .