الصفحة 43 من 75

وقال ابن قدامة رحمه الله:"ورُوى عن أحمد أن ذلك غير مقدَّر، وهو على حسب ما يجد من النشاط والقوة" [1] .

فتلخَّص عن أحد رحمه الله في الختمة في أقل من ثلاث روايتان الأولى: الكراهة، والأخرى: أنه لا تقدير، وهو بحسب القوة والنشاط، وهذه الثانية اختيار النووي كما قد سبق نقلها وأقرّها الحافظ في الفتح [2] .

والصواب في هذه المسألة: كراهة الختم دون ثلاث لعدّة أمور:

1 -صراحة النهي في قراءته دون ثلاث، وعدم إقراره صلى الله عليه وسلم لعبد الله ابن عمرو على ذلك بل نهاه كما في بعض الروايات، ولهذا ذهب بعض الظاهرية إلى تحريم قراءة القرآن في أقل من ثلاث [3] .

2 -نفى الفقه عمّن قرأ القرآن في أقل من ثلاث: وهذا كافٍ في الكراهة والذم، وهو نصٌ عام يدخل تحته جميع المكلَّفين، ولا يُقال باستثناء ذوي البصائر النافذة والعقول الثاقبة لِما عُلم من أن قراءته دون ثلاث لا تتم إلا بإجهاد النفس وإكلال العقل وإعياء الفكر، فحينئذ تحصل القراءة دون لبّها وروحها ومقصودها.

3 -مجانبة هذا المسلك للهدي النبوي الحكيم: فقد أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت:"ولا أعلم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كلّه في ليلة" [4] .

فلم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم قراءته دون ثلاث مع طول قنوته وديمومة عبادته، ونهى صحابته عن ذلك، بل هو أكمل الناس عقلًا وأحسنهم فهمًا وأزكاهم قلبًا، ومع ذلك لم يقرأه في ثلاث ولا دونها.

4 -إنكار جماعة من السلف لِمن قرأه في أقل من ثلاث: كابن مسعود وابن عباس، بل أنكروا على من قرأ أحزابًا أو أجزاءًا في ليلة ودونها، معلّلين أنه لا يحصل إلا هذا كهذّ الشِّعر ونثرًا كنثر الدقَل، فكي فتمّ لبعض النُّسَّاك قراءته بين العشائين أو في ركعة أو في جلسة، فهذا إن لم يكن فيه مبالغة ومخالفة وخفاء للتدبّر والتفهّم فهو جارٍ على سبيل الكرامة، ومع ذلك فالذي أعلمه أن أكثر ذلك لا يصح ونُقلت أخبارهم بلا خطام ولا زمام.

وما أحسن ما قاله ابن رجب الحنبليّ رحمه الله في هؤلاء النّسّاك الصُّلّحاء:"وكان كثير من المتقدّمين يحملون على أنفسهم من الأعمال ما يضر بأجسادهم ويحتسبون أجر ذلك عند الله، وهؤلاء قومٌ أهل صدق وجدّ واجتهاد فَيُحَيَّوْنَ على ذلك ولكن لا يُقتدي بهم وإنما يُقتدي بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن خير الهدي هديه، ومَن أطاعه فقد اهتدى، ومن اقتدى به وسلك وراءه وصل إلى الله عز وجل" [5] .

وذكر الذهبيّ رحمه الله في ترجمة سعيد بن جبير عن وِقاء بن إياس قال: كان سعيد بن جبير يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء في شهر رمضان، وكانوا يؤخّرون العِشاء.

ثم تعقّبه بقوله:"هذا خلاف السنّة، وقد صح النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث" [6] انتهى.

هذا ما أريد بيانه في هذه المسألة، فمن كان لديه فضلُ علم فليدلّنا عليه، ونكون له من الشاكرين، والله تعالى أعلم.

{16} مَفاهِيم خَاطِئَة في رَمضَان

المسألة الثانية ـ الاحتياط لرمضان بالصيام قبله:

ثبت في المتفق عليه وأخرجه البخاري في كتاب الصوم باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتقدمنّ أحدُكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصُم ذلك اليوم) [7] .

يذهب بعض الجهَلة وذوو المذاهب الفاسدة إلى تقدم رمضان بالصيام احتياطًا له، وفي هذا افتئات على الدين وتنطُّع ومخالفة للسنّة.

ومعنى الحديث عند أهل العلم:"أي لا يتقدم رمضان بصوم يوم يُعد منه بقصد الاحتياط له، فإن صومه مرتبط بالرؤية فلا حاجة إلى التكلّف" [8] .

قال أبو عيسى الترمذي ـ رحمه الله ـ عقيب على هذا الحديث:"العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجّل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان".

وقد اختُلِف في حكمة هذا النهي الصريح فقيل:"الحكمة فيه التقوّى بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط، وهذا فيه نظر لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمّه بصيام ثلاثة أيام أو أربعة جاز، وقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر أيضًا لأنه يجاوز لمن له عادة ـ كما في الحديث ـ وقيل: لأن الحكم عُلّق بالرؤية فمّن تقدّمه بيومٍ أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم وهذا هو المعتمد" [9] .

استثنى الأئمة من هذا النهي ثلاث صور:

1 -مَن له عادة وَوِردٌ خاص فقد رُخص له في الحديث، لأنه اعتاد ذلك وألِفَه، وترك المألوف شديد، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء.

(1) المغني (2/ 612) .

(2) الفتح (8/ 715) .

(3) الفتح (8/ 816) .

(4) مسلم (746) .

(5) لطائف المعارف ص (447) .

(6) السّيَر (4/ 324 - 325) .

(7) البخاري (1914) ، ومسلم (1082) .

(8) الفتح (4/ 152) .

(9) الفتح (4/ 153) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت