فهرس الكتاب
والمتأمِّل لكلام النووي رحمه الله يرى أنه يعوِّل في القراءة على حصول الفهم والتدبّر ولو كان مع الإسراع والتنافس الجاري بين السلف رحمهم الله، أما الهذّ والهذرمة والعجلة المفرطة فليست من الخير والفضل في شيء.
وفي التفضيل بين قراءة الترتيل والتدبر والإسراع مع كثرة القراءة اهتدى الإمام ابن القيّم رحمه الله إلى جواب حلوٍ طريف، قال رحمه الله:"والصواب في المسألة أن يُقال: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبّر أجلّ وأرفع قدرًا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددًا، فالأول كمَن تصدّقَ بجوهرة عظيمة، أو أعتق عبدًا قيمته نفيسة، والثاني كمّن تصدّق بعدد كثير من الدراهم أو أعتق عددًا من العبيد قيمتهم رخيصة" [1] .
وبنحو هذا القول قال الحافظ ابن حجر مع زيادة بيان وتجلية:"والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المُسرِع لا يخل بشيء من الحروف والحركات والسكون والواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدُهما الآخر وأن يستويا، فإن مَن رتّل وتأمّل كمن تصدّق بجوهرة واحدة ثمينة، ومن أسرع كمَن تصدّق بعدة جواهر لكن قيمة الواحدة، وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأُخريات، وقد يكون العكس" [2] .
4 -إن الختمات في رمضان مشروعة، فالإكثار من الختمات في هذا الموسم الفاضل من استباق الخيرات واستثمار الأوقات.
والنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب جارٍ على جميل عادته وحُسن سجيّته من مراجعة القرآن ومعارضته على جبريل عليه السلام كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة" [3] .
ومهما اشتدت الرغبة عند المؤمن القانت، أو طمحَت همّته لتحصيل المزيد من الخير، فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما إلى خير الأمور وأعدلها وأوسطها، منها في كتاب فضائل القرآن باب: في كم يُقرأ القرآن؟ وقول الله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] .
عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال:"أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كَنَّته فيسألها عن بعلها فتقول: نِعم الرجل مِن رجل لم يطأ لنا فراشًا ولم يفتش لنا كنفًا منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: القني به فلقيته بعد، فقال: كيف تصوم؟ قلت: أصوم كل يوم، قال: وكيف تختم قلت: كل ليلة، قال: صُم في كل ثلاثة واقرأ القرآن في كل شهر. قال: قلت: أُطيق أكثر من ذلك، قال: صُم ثلاثة أيام في الجمعة. قال: قلت: أُطيق أكثر من ذلك، قال: أفطر يومين وصُم يومًا. قال: قلت: أُطيق أكثر من ذلك، قال: صُم أفضل الصوم صوم داود صيام ويوم وإفطار يوم، واقرأ كل سبع ليال مرة، فليتني قبلتُ رُخصة النبي صلى الله عليه وسلم وذاك أني كبرتُ وضعفتُ، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يعرضه من النهار ليكون أخفّ عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطرَ يومًا وأحصى وصام مثلهن، كراهية أن يترك شيئًا فارق النبي صلى الله عليه وسلم عليه".
قال أبو عبد الله: وقال بعضهم: في ثلاث أو في سبع وأكثرهم على سبع [4] .
وقد أخرج البخاري رحمه الله خبر عبد الله هذا من طريق أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أجد قوة، حتى قال: فاقرأه في سبعٍ ولا تزد على ذلك" [5] ."
وصح عنه صلى الله عليه وسلم عند أبي داود والترمذي من طريق يزيد بن عبد الله عن عبد الله بن عمرو أنه قال: (لا يفقه مَن قرأ القرآن في أقل من ثلاث) [6] . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الحافظ بن حجر في الفتح.
وقد بوّبَ له الترمذي باب"في كم يُختم القرآن"وابن ماجة باب"في كم يُستحب أن يُختم القرآن؟".
وأخرج سعيد بن منصور في سننه بسندٍ صحيح عن ابن مسعود أنه قال:"اقرأوا القرآن في سبعٍ لا تقرأوه في أقلّ من ثلاث" [7] .
قال النووي:"وقد كره جماعة من المتقدّمين الختم في يومٍ وليلة، ويدل عليه الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص .. الخ وذكر الحديث" [8] .
وقال الحافظ عقيب أثر عائشة رضي الله عنها:"وهذا اختيار أحمد وأبي عبيد وإسحاق بن راهوية وغيرهم، وثبت عن كثير من السلف أنهم قرأُوا القرآن في دون ذلك" [9] .
(1) زاد المعاد (1/ 339) .
(2) الفتح (8/ 707) .
(3) البخاري (4997) ، ومسلم (2308) .
(4) البخاري (5052) ، ومسلم (1159) ، ومعنى"كنّته"بفتح الكاف وتشديد النون زوج الولد.
(5) البخاري (5054) .
(6) أبو داود (1394) ، والترمذي (2950) ، وابن ماجة (1347) .
(7) سنن سعيد بن منصور (146) .
(8) التبيان ص (58) .
(9) الفتح (8/ 715) .