فهرس الكتاب
ثم أعقبه بحديث ابن عباس في قوله: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة: 16] ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي وكان مما يحرّك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه وكان يُعرف منه ... الحديث [1] .
قال الحافظ في الفتح: قوله"باب الترتيل في القراءة"أي تبين حروفها والتأنّي في أدائها ليكون أدعى إلى فهم معانيها" [2] ، وشاهد الترجمة من حديث ابن عباس كما قال الحافظ: النهي عن تعجيله بالتلاوة فإنه يقتضي التأنّي فيه وهو المناسب للترتيل [3] ."
وقال البخاري أيضًا ـ باب مدِّ القراءة ـ ثم ساق حديث أنس رضي الله عنه من طريقين، وفيه تقرير مشروعية المد في القراءة وهو مِن مُقتضى الترتيل، لأنه لا يمكن تأتِّيه في الإسراع، والطريق الأول عن قتَادة قال: سألتُ أنس بن مالك عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"كان يمدّ مدًا" [4] .
والآخر قال قتادة:"سُئل أنس كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كانت مدًا. ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمدّ ببسم الله، ويمدّ بالرحمن، ويمد بالرحيم" [5] .
وروى مسلم في صحيحه عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:"كان النبي يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطولَ من أطولَ منها" [6] .
وكان صلى الله عليه وسلم يُرجِّع في قراءته، والترجيع لا يتحصّل إلا مع الترتيل إن لم يكن قدرًا زائدًا عليه، قال البخاري أيضًا في كتاب فضائل القرآن: باب الترجيع ـ ثم أخرج بسنده من طريق أبي إياس قال: سمعتعبد الله بن مغفَّل قال:"رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته ـ أو جمَلِه ـ وهي تسير به وهو يقرأ سورة الفتح ـ أو من سورة الفتح ـ قراءة ليّنة يقرأ وهو يرجّع" [7] .
قال الحافظ في الفتح: قوله"باب الترجيع"هو تقارب ضروب الحركات في القراءة، وأصله الترديد، وترجيع الصوت ترديده في الحلق، وقد فسره في كتاب التوحيد بقوله أاأ بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى""ثم قالوا: يحتمل أمرين أحدهما: أن ذلك حدَث من هز الناقة، والآخر: أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك، وهذا الثاني أشبه بالسياق فإن في بعض طرقه:"لولا أن يجتمع الناس لقرأتُ لكم بذلك اللحن"أي النّغَم.
وقال الحافظ أيضًا:"والذي يظهر أن في الترجيع قدرًا زائدًا على الترتيل، فعند أبي داود من طريق أبي إسحاق عن علقمة قال: بتُّ مع عبد الله بن مسعود في داره فنام ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيّه لا يرفع صوته ويُسمع مَن حوله ويرتّل ولا يرجّع".
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة:"معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تُنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة" [8] .
3 -إن الإسراع المعتدل في التلاوة الذي لا يُخِلّ بها ولا يفوِّت مقصودها ليس مذمومًا بكل حال، بل فيه نوع فضل ومسارعة في الخير، لكن المذموم المطروح هو الإسراع المبالغ فيه بحيث يُنقِص منها شيئًا ويُذهب غايتها ومقصودها وهو التدبّر.
قال الحافظ:"وإنما الذي يُكره الهذّ، وهو الإسراع المفرط بحيث يخفي كثيرٌ من الحروف أو لا تخرج من مخارجها" [9] ، وأشار الحافظ إلى أن دليل جواز الإسراع ما أخرجه ـ أي البخاري ـ في كتاب"أحاديث الأنبياء"عند ذكر داود عليه السلام عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خُفّف على داود عليه السلام القرآن فكان يأمر بدوابّه فيقرأ القرآن قبل أن تُسرج دوابّه ولا يأكل إلا من عمل يده) [10] .
وهذا الضابط مهم في قراءة الإسراع، وبه ينحلُّ كثير من الإشكال بين العلماء ويهون الخلاف بينهم، لأن مقصد التلاوة حصول التدبّر والعظة والاعتبار، وقد تسهّلَت بهذا القيد، وإن كان الترتيل هو مظنّة الفهم والتدبّر، لكن قد قرأ القرآنَ بتؤدّة وأناة فلم يجاوز تراقيهم، اعتنوا بترتيله لفظًا وأعرضوا عنه معنىً فلم يُعوا مواعظه، ولم ينزجروا بزواجره، وخفيّت عليهم عجائبه، وروائعه وأسراره.
ولهذا تفاوتت أحوال السلف في القدر الذي يختمون فيه بحسب ما يحصل لكل شخص من إقبال وحضور ومعرفة، فقد قال النووي رحمه الله بعد أن حكى شيئًا من أحوالهم:"والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمَن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصِر على قدر ما يحصل له به كمالُ فهمِ ما يقرؤه، وكذا من كان مشغولًا بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسبه إخلال بما هو مرصدٌ له، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حدّ الملل والهذرمة" [11] .
(1) البخاري (5044) .
(2) الفتح (8/ 708) .
(3) الفتح (8/ 709) .
(4) البخاري (5045) .
(5) البخاري (5046) .
(6) مسلم (733) .
(7) البخاري (5047) ، ومسلم (794) .
(8) الفتح (8/ 710) .
(9) الفتح (8/ 707) .
(10) البخاري (3417) .
(11) التبيان ص (58) .