فهرس الكتاب
ولقد تراقى إلى هؤلاء الصالحين أنباء جدّ السلف وسراعهم إلى ختم القرآن مرات كثيرة ما صنعه أتباعهم من ذوي النّسك والعبادة، حتى نُقل في ذلك أخبارٌ عجيبة يذهل منها السامع، وربما شاب بعضها المبالغة أو كانت من باب الكرامة، والله تعالى أعلم.
قال النووي رحمه الله في التّبيان:"ينبغي أن يحافظ ـ حامل القرآن ـ على تلاوته ويُكثر منها"كان السلف ـ رضي الله عنهم ـ لهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه ثم ذكر أحوال بعضهم في الختمة ثم قال:"وعن كثير: في كل ثلاث ليالٍ، وعن بعضهم: في كل ليلتين، وعن كثيرين: في كل يوم وليلة خَتمة، ومنهم مَن كان يختمُ ثلاثًا، وختم بعضهم ثماني ختمات أربعًا في الليل وأربعًا في النهار" [1] .
وقال النووي أيضًا:"وروى السيد الجليل أحمد الدورقي بإسناده عن منصور بن زاذان من عُبّاد التابعين رضي الله عنهم: أنه كان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر، ويختمه أيضًا فيما بين المغرب والعشاء، ويختمه فيما بين المغرب والعشاء ختمتين وشيئًا، وكانوا يؤخّرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل".
"وروى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن مجاهدًا كان يختم القرآن في رمضان بين المغرب والعشاء في كل ليلة من رمضان، وعن منصور قال: كان عليّ الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان، وعن إبراهيم بن سعد قال: كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن".
"وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يُحصون لكثرتهم، فمن المتقدّمين عثمان بن عفان، وتميم الدّاري، وسعيد بن جبير رضي الله عنهم، ختمه في كل ركعة في الكعبة" [2] .
فهذه الأخبار وأشباهها تستوقف المرء المسلم في هذه الأزمان، وقد يكون من العسير تحقق شيء منها لما عُلم من حال هؤلاء وأولئك، فقد تباينّت النفوس والهِمم والأحوال، فهذا الزمان هان شأنه وضعف إيمان أهله وفترّت عزائمهم، والله المستعان!
فالمراد أن الناس في رمضان يهتبلون الفرصة، بالإكثار من الختَمات تشبُّهًا بِمن سلفهم لعلّهم يدركون شأوَهم، لكن هذا على سبيل إهمال التدبُّر والتفهُّم والتفكّر، ولا يمتري أحدٌ في خطأ ذلك، لِما فيه من إذهاب الأجر وإجهاد النفس وإهدار مقصود التلاوة، لهذا غلطَ كثيرون عندما ظنّوا أن مقصود التلاوة الإكثار في الختمَات دون تدبر وتأمل، فهذُّوا القرآن هذا ونثروه نثرًا غير مُبالين بأثره وتأثيره في النفس، لذا لابد من إيضاح هذه المسألة بما يلي:
1 -الغاية الحميدة من التلاوة هي التدبر والفهم والاتعاظ، وهذا يُدرَك بترتيل التلاوة وتحسينها، المثمر للعلم والإيمان واليقين، ولهذا اشتد نكير السلف لمن كانت عنايته بالتلاوة الكثيرة دون التدبّر والتأمّل.
ففي صحيحي البخاري ومسلم، وبوّبَ له بعض شُرّاح صحيح مسلم: باب ترتيل القراءة واجتناب الهذيان: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رجلًا قال له: إنّي أقرأ المفصّل في ركعة واحدة. فقال عبد الله:"هذا كهذّ الشِّعر، إن أقوامًا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخَ فيه نفَعَ" [3] .
وذكر شُعبة رحمه الله أن أبا حمزة قال لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في ليلة مرة أو مرتين، فقال ابن عباس: لأنْ اقرأ سورة واحدة أعجبُ إلىَّ من أن أفعل ذلك الذي تفعل، فإن كنت فاعلًا ولابد فاقرأ قراءة تُسمِع أُذُنيكَ ويعيها قلبك"."
وقال ابن مسعود رضي الله عنه:"لا تهذّوا القرآن هذّ الشِّعر، ولا تنثروه نثر الدّقَل، وقِفُوا عند عجائبه وحرّكوا به القلوب، ولا يكن هَمّ أحدكم آخر السورة".
وقال الحسن البصري رحمه الله:"نزل القرآن لِيُعمل به فاتخَذوا تلاوته عملًا".
وقال أيضًا:"إنّ مَن كان قبلكم رأوا القرآن رسائل مِن ربّهم، فكانوا يتدبّرونها بالليل ويُنفذونها بالنهار".
2 -أن الطريق الأمثل والمسلك الأرشد في تلاوة القرآن هو الترتيل والتدبّر، وبه قضى القرآن في آيات عديدة نحو قوله تعالى: {وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 4] ، معناه ـ كما عند الطبري بسندٍ صحيح ـ عن مجاهد: بعضه إثر بعض على تَؤده. وعن قتادة: بيِّنْهُ بيانًا.
وهذا مأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الأقوم في التلاوة، وهديه الأسلم في القراءة، قال البخاري في صحيحه في كتاب فضائل القرآن: باب الترتيل في القراءة وقوله تعالى: {وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 4] ، وقوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا} [الإسراء: 106] ، وما يُكره أن يُهذّ كهذّ الشِّعر، ثم أسند إلى أبي وائل عن عبد الله قال:"غدونا على عبد الله فقال رجل: قرأتُ المفصّل البارحة فقال: هذا كهذّ الشِّعر [4] ."
(1) التبيان ص (54 - 55) .
(2) المصدر السابق ص (56 - 57) .
(3) البخاري (775) ، ومسلم (822) .
(4) البخاري (5043) .