الصفحة 39 من 75

قال رحمه الله تعالى:"طلب العلم درجات ومناقل ورُتب لا ينبغي تعدّيها، ومَن تعدّاها فقد تعدّى سبيل السلف ـ رحمهم الله ـ ومَن تعدّى سبيلهم عامدًا ضل، ومَن تعدّه مُجتهدًا زلّ، فأول العلم حفظ كتاب الله ـ عز وجل ـ وتفهّمه، وكل ما يعين على فهمه فواجبٌ طلبه معه، ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن أقول إن ذلك شرط لازم مع من أحبّ أن يكون عالمًا فقيهأً ناصبًا نفسه للعلم ليس من باب الفرض".

"القرآن أصل العلم، فمن حفظه قبل بلوغه، ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه من لسان العرب كان ذلك له عونًا كبيرًا على مراده منه من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينظر في ناسخ القرآن ومنسوخه وأحكامه، ويقف على اختلاف العلماء واتفاقهم في ذلك، وهو أرٌ قريب على مَن قربّه الله عز وجل عليه، ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها يصل الطالب إلى مراد الله عز وجل في كتابه وهي تُفتح له أحكام القرآن فتحًا".

"وممّا يُستعان به على فهم الحديث ما ذكرناه من العون على كاب الله ـ عز وجل ـ وهو العلم بلسان العرب ومواقع كلامها وسعة لغتها وأشعارها ومَجازها وعموم لفظ مخاطبها وخصوصه وسائر مذاهبها لِمَن قدر فهو شيء لا يُستغنى عنه، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى الآفاق أن يتعلّموا السنّة والفرائض واللحن ـ يعني النحو ـ كما يُتعلَّم القرآن".

ثم أسند إلى أبي عثمان النهدي ـ رحمه الله ـ قال:"كان في كتاب عمر رضي الله عنه"تعلّموا العربية"، وإلى ابن عمر:"أنه كان يضرب ولده على اللحن"."

وأسند أيضًا إلى الشافعي رضي الله عنه أنه قال:"مَن حفظ القرآن عظمت قيمته، ومَن طلب الفقه نُبل قدره، ومن كَتب الحديث قويَت حُجّته، ومن نظر في النحو رقّ طبعه، ومَن لم يصُن نفسه لم يَصُنه العلم".

ثم قال رحمه الله بعد إيضاحه لحال طلبة العلم وأهله في زمانهم حيث أنهم حادوا عن طريق السلف وسلكوا ما لا يعرفه أئمتّهم، منهم مَن تكثّر من العلم بلا تمييز وبصيرة، وبلا تفقُّه وتدبّر، قد جهلوا ما لا يسع المسلم جهله، وآخرون هجروا القرآن والآثار وعمدوا للآراء، قال رحمه الله:"فعليك يا أخي بحفظ الأصول والعناية بها، واعلم أن مَن عني بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن، ونظر في أقاويل الفقهاء فجعله عونًا له على اجتهاده ومفتاحًا لطرائق النظر وتفسير الجُمل المحتملة للمعاني، ولم يقلّد أحدًا منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم مِن حفظ السنن وتدبرها واقتدائهم في البحث والتفهّم والنظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبهّوا عليه، وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم ولم يبرّئهم من الزلل كما لم يبرّئوا أنفسهم منه، فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح، وهو المصيب لحظّه والمعاين لرشده والمتّبع لسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم وهدي صحابته رضي الله عنهم وعمّن اتبع بإحسانٍ برأيه ورام أن يردّها إلى مبلغ نظره فهو ضالُّ مُضلّ، ومَن جهل ذلك كله أيضًا وتقحّم في الفتوى بلا علمٍ فهو أشدّ عمىً وأضل سبيلًا."

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًا ... ولكن لا حياة لِمَن تُنادي

وقد علمتُ أنني لا أسلم من جاهل معاند لا يعلم.

ولستُ بناجٍ من مقالة طاعنٍ ... ولو كنتُ في غارٍ على جبلٍ وَعر

ومن ذا الذي ينجو من الناس سالمًا ... ولو غاب عنهم بين خافيتي نسر

واعلم يا أخي أن السنن والقرآن هما أصل الرأي والعيار عليه، وليس الرأي بالعيار على السنة بل السنة عيار عليه، ومَن جهل الأصل لم يُصِب الفرع أبدًا [1] . انتهى كلامه رحمه الله.

أيها الإخوة:

من المسائل التي وقع الغلط فيها واحتيج للتنبيه عليها وما فيها من مخالفات، مسألة الإكثار من الختمات دون تدبُّر، والاحتياط لرمضان بالصيام قبله، والنية للصوم، وحكم السواك للصائم، وإهمال بعض أبواب الخير اليسيرة، وتتُّبع المساجد الكبيرة والأصوات الحسنة في التراويح، وسوف يتم إيضاحها في المواعظ القادمة، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

المسألة الأولى ـ توالي الختَمات لكتاب الله تعالى دون تدبّر وتأمُّل:

لعل أمثلة طاعة يطرب لها رمضان وتستعرُ لها عزائم الصائمين قراءة القرآن، فرمضان شهر القرآن، فيه تزخر بركته وتظهر عجائبه وتحلو مسامرته.

فالمؤمن الصالح في رمضان رجلٌ طامح الطّرف، سامي الهمّة يصرف همَّهُ وهمّته إلى كتاب الله تعالى قراءة وتأملًا وتدبّرًا وتذكرًا. {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ص: 29] .

(1) جامع بيان العلم وفضله: (2/ 1129 - 1132 - 1133 - 1136 - 1139 - 1140) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت