فهرس الكتاب
إن إدراك فقه الصيام وسائر الطاعات أمر مؤكّد في عصرٍ هان دينه وفشا جهله وتعاظم حاملوه.
قبيحٌ بالمرء أن تتوالى عليه الرمضانات الشريفات، وهو لا يزال جاهلًا أحكام الصيام، عرياٍّ عن معرفة واجباته وآدابه وأسراره، ومعنى الفقه في الدين هو: طلب العلم الشرعي وتعلّمه فقهًا وبصيرةً واقتداءً وعملًا.
قال الحسن رحمه الله:"الفقيه هو الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه المداوم على عبادة ربّه"، والمتفقّه في الدين هو مَن يصدر عن علم الكتاب والسنّة، السائر على هدى السلف الكرام الحامل للآثار، المُنابذ للآراء والغرائب والشواذ، وهو أيضًا سليم المنهج في الاستدلال، جارٍ على الأصول المعروفة عند أهل العلم دون شطط أو انحراف، يراعي القواعد العامة ويردّ الجزئيات إليها ويضم النظير إلى نظيره، مقتفيًا معالم سلف الأمّة وفهومهم وطرائقهم في الاستنباط حسب ما هو مُدوَّن في كتب الأصول والقواعد، مع اعتبار القواعد الشرعية التي عظّمتها الشريعة وقرّرها الأئمة الأعلام، وكذلك يراعي مصالح الشرعية ومقاصدها.
معاشر المسلمين:
وها نحن في رمضان نشاهد صورًا من الجهل وقلة الفقه في الدين وأمورًا يظنّ أنه إلى السنّة والسداد دانٍ، وهو منها عند تحقيق العلم وصدق التَّفقُّه ـ قاصٍ، قد سيّره جفاؤه للعلم وصنعه إرث القِدَم، وحملته عاطفة الخير المتوهّجة التي كدَحَت كدحًا مجرّدًا عن أنوار العلم، وغافلًا عن معالم البصيرة، ورائثًا في إدراك الهداية.
والعجيب أن هؤلاء لم تنفضهم الجهالات، ولم تحركهم الأزمات مع تواليها وتكاثرها وتزاحمها، بل اعتادوا الجهالة والبطالة واقتفاء العِيّ والفدامة.
إن أكياس المسلمين سالكو الخير والرشاد، تعِظُهم النُّوب والرّزايا، وتعلّمهم تجارب الحياة بل تدفعهم لأعالي المجد وقمَم الشرف، ومن هؤلاء الإمام الهُمام العز بن عبد السلام ـ رحمه الله تعالى ـ الذي كان بحقٍّ سبَاق غايات وحاوي قصبات، بلغ في العلم والعبادة والصدّع بكلمة الحق، المُبتغى الأعلى المُرتقى الأنأَى، قال التاج السبكي في ترجمته:
"شيخ الإسلام والمسلمين، وأحد الأئمّة الأعلام، سلطان العلماء، إمام عصره بلا مدافعة، القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمانه .." [1] .
هذا الإمام الفذّ الكبير ـ رحمه الله ـ وقعت له في فاتحة عمرِه حادثة نبّهتهُ مِن غفلته وكشفَت له رَداءة الجهل وعدم الفقه في الدين، بل دفعتهُ إلى علاءٍ مجيد تقصده الآمال، وتطلبه الأماني والرغبات حتى لُقّب بـ"سلطان العلماء".
قال التاج السبكيّ نقلًا عن أبيه:"كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أول أمره فقيرًا جدًا ولم يشتغل إلا على كِبَر، وسبب ذلك أنه كان يبيت في الكلاسة من جامع دمشق فبات بها ليلة ذات بردٍ شديد فاحتلَمَ فقام مُسرعًا إلى بِركة الكلاّسة فحصل له ألم شديد من البرد، وعاد فنام فاحتلم ثانيًا فعاد إلى البركة لأن أبواب الجامع مغلقة وهو لا يمكنه الخروج، فطلع فأُغمى عليه من شدة البرد ـ قال السبكيّ: أنا أشك هل كان الشيخ الإمام يحكي أن هذا اتفق له ثلاث مرات تلك الليلة أو مرّتين فقط ـ قال: ثم سمع النداء في المرة الأخيرة: يا ابن عبد السلام: أتُريد العلم أم العمل؟ فقال الشيخ عزّ الدين: العلم لأنه يهدي إلى العمل. فأصبح وأخذ"التنبيه"فحفظه في مدة يسيرة، وأقبل على العلم فكان أعلم أهل زمانه، ومِن أعبد خلق الله تعالى [2] ."
أيها الصائمون:
في رمضان يجأر المسلمون إلى ربّهم ذكرًا وعبادة وصلاة، ويهرعون إلى انتثال كل خير وتحصيل كل ثواب وفضل، وهذا من عظيم فعالهم وسباقهم وهو من أجمل ساعات الحياة وأجلّ فترات العمر، لكن هذا الجُؤار وتلكم المسارعة قد يشوبها خفاء علم، أو سوء فهم، أو تخبُّط وتخليط واستعجال.
بل اعتراها جهالة فادحة بطرت عن سؤال العلماء ونأت عن ملامة الكُتب والأسفار، بل من المؤسف أنها جهالة شأنها هوىً قتّال، وتقليد سقيم وتعصّب ذميم، قد اجترحَت قوارع الضيق والضنك والأنكاد، وانزوَت في حبائل التيه والزيغ والاغترار.
لم تعُد جهالة هؤلاء محدودة التأثير، بل امتدّت وأصبحت قاصية المدى، عمَّ ضررُها الحيّ والأتباع والسُّذَّج كافةً، فمتى يرعوي أناسٌ راموا دعوة بلا علم وبصيرة وارتدوا تنسكًا بلا فقه ورشاد، وابتغَوا منجاة بلا اهتداء وسداد، وادّعوا حُبّ النبي صلى الله عليه وسلم بلا اقتداء وامتثال.
وللإمام الحافظ الكبير والمحقق الشهير أبي عمر بن عبد البرّ القرطبي المالكي ـ رحمه الله ـ في كتابه"جامع بيان العلم وفضله"مبحث يُبهر الرائي حُسنه ويونق السامع جرسه، ضمنّه رُتب العلم وطرائق التفقّه ولزوم السّنن وطرح الآراء واقتفاء السلف الكرام، إليكم جُمَلًا منه:
(1) طبقات الشافعية الكبرى (8/ 209) .
(2) المصدر السابق (8/ 212 - 213) .