فهرس الكتاب
-إن فيها إيماء إلى أن المحمود في حق الصائم تنزيه لسانه عن كل قول بذيء أو حتى ليس بنافعٍ ومفيد، وكأن الصائمين ليس لهم كلام إلا فيما ينفعهم ويقرّبهم من الله، من ذكره وعبادته وطلب مرضاته.
-إنها ذريعة لتقليل الكلام والحد منه لا سيما الضارّ، وذلك أثناء الصيام فينبغي للصائم أن يكون صامتًا فيما لا ينفعه من فضول الكلام، ذاكرًا خاشعًا ذا سمتٍ وسكينة ووقار.
-إنها تعليم وتأديب للطرف الآخر لكي ينتهي عن فساده وغيّه.
فالمهم هنا أن هذه الجملة أصل في صمت الصائم وسكونه وتقللّه من الكلام، وهي أسٌ في حفظه لنفسه وصومه من نتاج زلات اللسان وغوائله، فالصمت علامة استكانة الصائم وأدبه ووقاره، وهو للمسلم من خير الذّهب، وأنفس اللذائذ والغرر.
قال بعض البلغاء: إلزم الصمت فإنه يكسبُك صفو المحبة، ويؤمنّك سوء المغبّة، ويُلبسك ثوب الوقار، ويكفيك مؤنة الاعتذار.
وقال بعض الفُصَحاء: إعقلْ لسانك عن حق توضحه أو باطل تدحضه، أو حكمة تنشرها أو نعمة تذكرها [1] .
وفي وصف عباد الرحمن الأخيار: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان: 63] .
إرشاد وإذكار إلى سلوك محاسن الكلام وألفاظه مع الجهَلة والرَّعاع.
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ عند هذه الآية: أي إذا سفه عليهم الجاهل بالقول السيءّ لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون ولا يقولون إلا خيرًا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حِلمًا [2] .
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأفعال والأقوال لا يهدي لأحسنا إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، والله الموفق.
{15} مَفاهِيم خَاطِئَة في رَمضَان
إن طلب العلم الشرعي وابتغاء الفقه في الدين يقي المسلمين كثيرًا من الأخطاء الواقعة في عباداتهم وشعائرهم، فهو جِماع كل خير ومنبع كل فضل وبرّ.
في المتفق عليه عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وأخرجه البخاري في كتاب العلم باب مَن يُرِد اللهُ به خيرًا يفقّهّهُ في الدين، من طريق حميد بن عبد الرحمن: سمعت معاوية بن أبي سفيان خطيبًا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مَن يُرد اللهُ به خيرًا يُفقّهه في الدين وإنما أنا قاسمٌ والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم مَن خالفّهم حتى يأتي أمرُ الله) [3] .
الفقه في الدين هو سَنَن السلامة لتصحيح العبادة، وهو الدليل لتمييز السّنن ونشرها ودرء البّدَع وإزالتها، وهو سراج التوفيق والسداد وعمدة أهل العلم والرشاد، أخرج ابن أبي عاصم والطبراني وغيرهم عن معاوية ـ رضي الله عنه ـ مرفوعًا: (يا أيّها الناس تعلّموا، إنما العلمُ بالتعلُّم، والفقه بالتفقُّه، ومَن يُرد اللهُ به خيرًا يفقّهه في الدين) فمّن لم يتفقّه في الدين فهو ذاك العابد الكائن في ربقة الجهل، السائر على غير هدى من الله طمعًا في الأجر والثواب.
كم تعبّد أُناسٌ على غير السنن، ومنهم مَن فعل بِدعة أو مخالفة ظنًا منه أنه سنّة وهداية، وتعلّق أقوامٌ بالأغاليط راجين الثواب وطريق المتقين كل ذلك من جرّاء الجهل وعدم التفقّه في الدين، لقد ضعف شأن الفقه والعلم عند كثير من الناس، فتراهُم في دُنياهم حُذّاقًا خُبراء وفي أمور دينهم وعباداتهم جُهلاء خُرقَاء، تنزل بهم المسائل والنوازل والحاجة إلى معرفة حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يحركون ساكنًا، ولا يطلبون عالمًا، همّهم أموالهم وشغلهم بطونهم، وهؤلاء يصدق عليهم قول القائل:
أبُنيَّ إن مِنَ الرّجال بهيمةً ... في صورةِ الرجل السميع المُبصر
فطِنٌ بكل مُصيبةٍ في مالِه ... وإذا يُصابُ بدينه لم يشعرِ [4]
أين هؤلاء من صنيع ذلك الصحابي الجليل عُقبة بن الحارس رضي الله عنه الذي نزلّت به نازلة في دينه فشدّ رحله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتعلّم أمر دينه ويستبين له الحق، وقصته أخرجها البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أبي مليكة عن عُقبة بن الحارث أنه تزوج ابنةً لأبي إهاب بن عَزيز فأتته امرأة فقالت: إنّي قد أرضعتُ عُقبة والتي تزوج منها، فقال لها عُقبة: ما أعلمُ أنكِ أرضعتِني ولا أخبرتِني، فركب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف وقد قيل؟) ففارقَها عُقبة ونكَحَت زوجًا غيره [5]
وهذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه منها في كتاب العلم باب الرحلة في المسألة النازلة، هكذا الترجمة عند جمهور رواة الصحيح، وفي رواية كريمة زيادة"وتعلم أهله"والصواب حذفها لأنها في موضع آخر من الكتاب [6] .
أيها الإخوة الصُّوّام:
(1) أدب الدنيا والدين ص (265 - 266) .
(2) تفسير ابن كثير (3/ 337) .
(3) البخاري (71) ، ومسلم (1037) .
(4) أدب الدنيا والدين ص (111 - 112) .
(5) البخاري (88)
(6) الفتح (1/ 222) .