فهرس الكتاب
وفي هذا الحديث الشريف من الفوائد العلمية والتربوية المهمة ما لا يخفي، وقد ذكر العيني ـ رحمه الله ـ عددًا منها، وها أنَذا أسوقها من شرحه على البخاري قال:"منها الحث على الجود والإفضال في كل الأوقات والزيادة منها في رمضان عند الاجتماع بالصالحين، ومنها زيارة الصُّلَحاء وأهل الفضل ومجالستهم وتكرير زيارتهم ومواصلتها إذا كان المزور لا يكره ذلك، ومنها: أنه لا بأس بأن يُقال"رمضان"من غير ذكر شهر على الصحيح، ومنها: أن القراءة أفضل من التسبيح وسائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويًا لفعلاه دائمًا أو في أوقات مع تكرر اجتماعهما" [1] انتهى.
فانظروا ـ أيّها الصائمون ـ كيف كان جود رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف كان يعظّم مواسم الرحمة ويضاعف جوده وإفضاله فيها.
فائدة:
قال بعض العلماء: وجه التشبيه بين أجوديّته صلى الله عليه وسلم بالخير وبين أجوديّة الريح المرسلة أن المراد بالريح المرسلة ريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي فيعم خيره وبِرّه مَن هو بصفة الفقر والحاجة ومَن هو بصفة الغني والكفاية أكثر مما يعم الغيث الناشئة عن الريح المرسلة صلى الله عليه وسلم.
4 -صيانة الصوم عن سائر الشهوات: أما الأكل والشرب والجماع فهذه واجبٌ الانكفاف عنها لأنها مفسدات للصوم كما تعلم، لكن ثمة أشياء تُنافي مقصود الصيام من اللعب واللهو وحب المرح وفضول الكلام والمزاح وما فيه تسلية وترويح، ينبغي للصائم تنزيه صومه عنها لأنها تذهب بالوقت وتضر بالقلب، وقد تكون جارّة إلى مفاسد ومحرّمات، وفي الحديث: (الصيام جُنة فلا يرفث ولا يجهل) أي لا يفعل شيئًا من أفعال أهل الجهل كالصياح والسّفَه ونحو ذلك [2] .
فالصائم الموفَّق يمسك ساعات طوالًا، حقُّ هذه الساعات المباركة التعبّد وقراءة القرآن وطلب كل برّ وخير وفضيلة، وليس ما يناقض ذلك من فضول المباحات.
5 -حُسن الخلُق والأدب: الصائم ذو خلُقٍ عالٍ وأدب سامٍ، يُحسن ويكرم ويبذل ولا يسيء، ويصفح ولا يعاقِب.
الصائمون يخالط بعضهم بعضًا في العمل والمسجد والشارع ويكلم بعضهم بعضًا، فينبغي ألا يجرّ ذلك الكلام إلى لغوٍ أو طول حديث بلا فائدة أو سوء في المعاملة، بل ينبغي للمسلم اقتفاء طيّب الأخلاق مع كل حال، وفي الصوم آكّد وأشدّ، لأن الصائم مأمور بحفظ أقواله وأفعاله لكي لا ينقص أجره، فيجمّل نفسه بحُسن الخلُق مع صنع خير ومعروف وحياء وصلة وسخاء ومروءة وشهامة، قال صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن ليُدرك بحُسن خلُقه درجة الصائم والقائم) [3] ، فلا يحملك ـ أخي الصائم ـ إمساكك وجوعك على الجفاء والشدة والخشونة بحيث تبدو ذا غلظة وفظاظة في مقالك وفعالك، بل المفترَض فيك أن يُعلي الصيام من نفسِكَ فيكسبها أحسن الخلق والأدب، قال بعض الحكماء: ما نحن إلى ما نتقوى به على حواسنا من المطعم والمشرب، بأحوج منا إلى الأدب الذي هو لقاح عقولنا، فإن الحبة المدفونة في الثرى لا تقدر أن تطلع زهرتها ونضارتها إلا بالماء الذي يعود إليها من مستودعها.
وقيل أيضًا: من فضيلة الأدب أنه ممدوح بكل لسان، ومتزيَّن به في كل مكان وباقٍ ذكره على أيام الزمان [4] .
6 -اجتناب قول الزور من الكذب والغيبة والنميمة وشبهها: قال تعالى في وصف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72] ، وقال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ} [القصص: 55] .
إننا إنما نبّهنا على هذا الأدب المهم وأفردناه مع دخوله فيما سبق لتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم له وتحذيره منه.
ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يدع قولَ الزوّر والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) [5] ، والله لقد أجهدَ نفسه هذا الصائم وأتعبها إذ كفَّ عن الأكل والشراب ولم يحفظ لسانه مِن قول الزور والعمل به فاستحق أن يعرض الله عنه وعن عِبادتِه.
7 -قطع كل خصام وداعي السب والشتم وقول"إني صائم": إنه لأدبٌ عظيم يحفظ الله تعالى به جوهر الصيام ومقصده وروحه إذ يعلّم عباده الصائمين أن يقول كل واحد منهم"إني امرؤ صائم".
وجملة"إني صائم"لها دلالات حسنة عجيبة منها:
-أنها تعظيم لشأن الصيام وتبجيل له، وكأن الإنسان بلفظه إياها يقول: إن الصيام حائلٌ بيني وبين إجابتك والردّ عليك.
-إن السبّ والشتم معاصٍ تضادّ الصيام وهي غير لائقة بالصوم، فكيف يستقيم صوم العبد وهو سابّ شاتم؟!.
(1) عمدة القاري (1/ 86 - 87) .
(2) فتح الباري (4/ 126) .
(3) أبو داود (4798) ، وابن حبان (1927) .
(4) أدب الدنيا والدين ص (226 - 227) .
(5) تقدم تخريجه.