فهرس الكتاب
فإذا أحببتُم ـ يا معاشر الصُّوَّام ـ أن يتم لكم الصيام وتكونوا محسنين فيه فحقَّقوا فيه آدابًا هي زينة الصائمين وسمت الصالحين وشعار العاقلين، فالعبادة تزينها الآداب وترفع شأنها الأخلاق وتُقيم اعوجاجها محاسن الخِلال.
الآداب والأخلاق أصل في الدين وجزء متين فيه، بل يكفي في فضلها وأهميتها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بُعثتُ لأُتمّمَ مكارمَ الأخلاق) [1] . رواه أحمد والترمذي ومالك، وقال تعالى: {خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .
قال جعفر الصادق رحمه الله: ليس في كتاب الله أشمل وأجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية.
والآداب المتعلقة بالصيام إما أن تكون واجبة أو مستحبة، وقد جمعْتُ ما تيسّر منها، فمن الآداب التي ينبغي للصائمين امتثالها والعناية بها ما يلي:
1 -الإخلاص: وهو أدب واجب في كل طاعة وشعيرة من شعائر الإسلام، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، قال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ} [الزمر: 2 - 3] ، وقال: فيما يرويه عن ربه تعالى (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عمِلَ عملًا أشرك معي فيه غيري تركتُهُ وشِركَه) [2] أخرجه مسلم في صحيحه.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي قال تعالى: (يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) إلماع لمعنى الإخلاص وأهميته.
2 -أن يكون في صومه مؤمنًا محتسبًا: وهذا أدبٌ من الأهمية بمكان، ولِعِظمه وشرفه جعله الله تعالى شرطًا أكيدًا في نيل ثمرة الصيام وثوابه، وهي غُفران الذنوب وسترها، روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم مِن ذنبه) [3] ، وقوله: (إيمانًا) معتقدًا بحق فرضية صومه، وقوله (احتسابًا) أي طلب الثواب من الله تعالى [4] .
فالصائم المؤمن بالله واليوم الآخر يؤمن أيضًا بفرضية رمضان ووجوب صومه وأنه يُصام لأن الله تعالى فرَضه وكتبه علينا، فهو يمتثل أمرَ ربْه وينفّذ شرعه، ثم مع إيمانه بفرضيته ووجوبه، يصومه طالبًا وراجيًا ثوابه من الربّ جل وعلا، لا يقصد نفعًا ولا هبةً ولا جزاءً من الخلق أجمعين، بل يروم ثواب الله تعالى الجزيل، الذي لا يضاهيه في الدنيا ثواب، {وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [النحل: 41] .
3 -كثرة الذكر والإقبال على الأعمال الصالحة: وهذا من جليل آداب الصائمين، ومحمود في كل الأزمنة والأمكنة، وفي رمضان يعظم ويشتد أمره لما في هذا الشهر من عظيم الأجر والحسنات ومضاعفة الدرجات، فليس لدى الصائمين وقت يضيّعونه في اللهو والملذات وحارقات الأوقات، بل إن الوقت عندهم أثمن وأغلى من كل ثمين وغالٍ في الدنيا.
والوقت أنفَسُ ما عُنيتَ بحفظه
وأراه أسهلَ ما عليك يضيعُ
فالوقت نعمة كبرى من الله تعالى لا يُقتل بملهيات ولا سفاهات، روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) [5] .
فيا أيها الصائمون:
تداركوا أنفسكم في رمضان، فأنتم في زمنٍ فاضل يتنافس فيه الصالحون ويجدّ فيه العاملون ولا يضيعه العاقلون.
قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] .
أخرج البخاري أيضًا في صحيحه في كتاب الصيام باب أجودَ ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس بالخير، وكان أجوَدُ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة" [6] .
قال البدر العيني: قوله"أجود الناس"هو أفعل التفضيل من الجود وهو العطاء: أي أعطي ما ينبغي لمن ينبغي، ومعناه هو أسخَى الناس، لَمّا كانت نفسه أشرف النفوس ومزاجه أعدل الأمزجة، لابد أن يكون فعله أحسن الأفعال وشكله أملح الأشكال، وخلُقه أحسن الأخلاق، فلا شك بكونه أجود، وكيف لا؟ وهو مستغنٍ عن الفانيات بالباقيات الصالحات [7] .
(1) مسند أحمد (2/ 380) .
(2) مسلم (2985) عن أبي هريرة.
(3) البخاري (1901) ، ومسلم (760) .
(4) فتح الباري (4/ 138) .
(5) البخاري (6412) .
(6) البخاري (1902) ، ومسلم (2308) .
(7) عمدة القاري (1/ 84) .