فهرس الكتاب
وأخرج الترمذي والدارمي وابن خزيمة وابن حبان عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من فطّر صائمًا كُتب له مثل أجره لا ينقص من أجره شيء) [1] .
وفي المتفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّ الإسلام خير؟ قال: (تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على مَن عرفت ومَن لم تعرف) [2] .
وهنا مثلٌ رائع عجيب ضربه النبي صلى الله عليه وسلم في فضل الصدقة وعِظم أثرها على صاحبها، وقُبح البخل وضرره على صاحبه.
فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدِّق كمثل رجلين عليهما جُبّتان من حديد ـ أو جُنّتان من حديد ـ قد اضطرت أيديهما إلى ثديّهما وتراقيهما فجعلَ المتصدِّق كلما تصدّقَ بصدقة انبسطت عنه حتى تغشي أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما همّ بصدقة قلُصَت وأخذت كل حلقة مكانها) قال أبو هريرة:"فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعه هكذا في جيبه، فلو رأيته يوسعها فلا تتّسع" [3] .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:"ولما كان البخيل محبوسًا عن الإحسان ممنوعًا عن البرّ والخير كان جزاؤه من جنس عمله، فهو ضيّق الصدر ممنوع من الانشراح، ضيق العطن صغير النفس قليل الفرح كثير الهمّ والغم والحزن، لا يكاد تنقضي له حاجة ولا يعان على مطلوب، فهو كرجل عليه جُبّة من حديد قد جُمعت يداه إلى عنقه بحيث لا يتمكن من إخراجها ولا حركتها، وكلما أراد إخراجها، أو توسيع تلك الجُبّة لزمت كل حلقة من حلقهِ موضعها، وهكذا البخيل كلما أراد أن يتصدق منه بُخله فيبقى قلبه في سجنه كما هو، والمتصدِّق كلما تصدّق بصدقة انشرح لها قلبه وانفسَح صدره فهو بمنزلة اتساع تلك الجبّة عليه، فكلما تصدّق اتسع وانفسح وانشرح، وقوي فرحه وعظم سروره ولو لم يكن في الصدقة إلا هذه الفائدة وحدها، لكان العبد حقيقًا بالاستكثار منها والمبادرة إليها [4] ."
أيها الصائمون:
إن الصدقة الصالحة والمواساة الحانية لَتمحو مساوئ العيوب ومعرّة الذنوب، ففي الصحيحين أن بغيًا ـ أي زانية ـ سقَت كلبًا يلهث من العطش فغفر الله لها [5] ، وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (إنّ الصدقة لتُطفئ غضب الربّ وتدفع عن ميتة السوء) [6] .
ويكفي مع الصدقة حبّ الناس للمتصدّق وثناؤهم عليه، وبُغضهم للبخيل وكراهيتهم له، فاليسار ذو أنصار، والإقتار بيت العار، قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] ، وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: (أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليكِ ولا توعي فيوعي الله عليكِ) [7] ، وفي لفظ: أنفحي أو أنضَجِي، والمعنى: الحض على البذل والإعطاء والنهي عن الإحصاء كالبخيل أو حفظه بالإيعاء والادخار دون تصدُّق وإنفاق.
إن النعمة والرخاء قناعة الإنسان وكفافُه، وسلامته من حبس المال واكتنازه، لأن الطمع يزري بالخيار ويحطّ بذوي الأقدار، ومَن لم يُوقَ شُحّ نفسه لم يفلح في يومه وأمسه، قال تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قُوتًا) [8] وقد كان من كريم خلُق النبي صلى الله عليه وسلم وصباحة يديه أن نزّه نفسه عن البخل، واحتمل في سبيل ذلك جفاء الناس وغلظتهم فقال في الحديث: (إنهم خيَّروني بين أن يسألوني بالفُحش أو يبخّلوني فلستُ بباخلٍ) [9] .
الله أكبر! ما أجلّ هذه الكلمة، وما أعظم هذه المنزلة التي حازها صلى الله عليه وسلم فقد كان في جميع أحواله أسنى الناس عطيّةً وأمجدهم سجيّة، لا يسأم الإنعام ولا يملّ البرّ والإكرام، يبذل ماله، ويهبُ رداءه، ويعطي عطاء مَن لا يخشى الفقر، وما ردّ سائلًا قط، بل كان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخِذ بما أخذ.
فكان هو الحقيق ببليغ المدح والإطراء، الحريّ بصادق الشكر والثناء، مخصوص به من بين سائر العُظَماء والكُرماء.
تراه إذا ما جئته متهلّلًا
كأنك تُعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفّه غير روحه
لجاد بها فليتّقِ الله سائله
هو البحر من أيّ النواحي أتيته
فلُجّتُه المعروفُ والجودُ ساحله
{19} يا أيّها الصَّائمون
(1) الترمذي (807) والدارمي (2/ 7) وابن خزيمة (2046) وابن حبان (3429) .
(2) البخاري (12) ، ومسلم (39) .
(3) البخاري (1443) ، ومسلم (1021) .
(4) الوابل الصيب لابن القيم (54 - 55) .
(5) البخاري (3467) ، ومسلم (2245) .
(6) الترمذي (664) عن أنس رضي الله عنه، والجملة الأولى لها شواهدٌ كثيرة تصحّ بها، وأما الأخرى فهي ضعيفة. والله أعلم.
(7) البخاري (1433) ، ومسلم (1029) .
(8) مسلم (1055) ، والترمذي (3261) ، وأحمد (2/ 446) .
(9) مسلم (1056) .