الصفحة 51 من 75

إنّ الصيام عبادة عظيمة، وقُربة جليلة، امتنّ الله بها على عباده المؤمنين، وحسبُكم في شرفها وعلوّ شأنها قوله صلى الله عليه وسلم: (لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) [1] ، هذا الخلوف وهو تغيّر رائحة الفم يستقذره كثير من الناس، تصوّروا أنه أطيب عند الله مِن أزكى الروائح وأحبّها وهو المسك.

يا أيها الصائمون:

إن الله تعالى شرّفكم وعظّمكم ورفع قدركم بطاعته وعبادته، وإن من حق هذا التشريف والتعظيم القيام بمقتضيات هذه الطاعة العظيمة، إن الصيام تهذيب للنفس الإنسانية وتربية لها، يهذبها ويهديها ويزكّيها ويمنحها مقصد الصيام الأسمى وحكمته العليا وهي تقوى الله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] .

وإذا كان المؤمنون بصيامهم وطاعاتهم من الأتقياء فهم مِن خيار عباد الله وصالحيهِ وأوليائه، بلغوا بصيامهم منازل المتقين ورقوا معالي الصالحين، ونالوا رضى ربّ العالمين.

إن المتقين ذوو صدق ورعاية وصيانة لصومهم يحطونه بسياج التقوى ويقوّمونه بقسطاس المراقبة، ويزكّونه بالذكر والدعاء والصدقة وقراءة القرآن.

يا أيّها الصائمون:

إن صيامكم من خير ما يهذّب نفوسكم ويزكّي قلوبكم ويحفظ جوارحكم ويقيكم شر فعالكم ومقالكم، إن الصيام باعثٌ متين لردع الشهوة وفعل الطاعة، قال صلى الله عليه وسلم: (والصوم جُنّة) [2] ، وفي الحديث الآخر: (الصوم جُنّة يستجن بها العبد من النار) [3] وسنده صحيح.

كم من مذنبٍ كان الصيام سببًا في توبته وأوبته، وكم من غافل ننّهَهُ الصيام فاهتدى ورشَد، وكم من صالحٍ زاده الصيام زكاةً ونورًا وتُقيً.

يا أيها الصائمون:

إن صيامكم ليس كفًّا عن المطعومات والمشروبات فحسب، بل باعث لفعل الخيرات والطاعات واجتناب الخطايا والسيئات، صوموا بحفظ أوقاتكم بالطاعة والتقوى، وجنِّبوها المعصية واتّباع الهوى.

يا أيّها الصائمون:

تذكّروا أنكم تلبّسُتم بطاعة شريفة مباركة، هي ذكركم وتاجكم وزينتكم، فلا تلطّخوها بلهوٍ ولعب وسمر وزور ولغو، كيف يصح صيام مَن لا يصلي الصلاة ولا يشهد الجماعة مع المسلمين؟! كيف يزكو بهذه الطاعة الفاضلة من هو نائم في بيته لا يعرف مساجد المسلمين ولا يُرى فيها؟! كيف ينعم بالصيام من يأكل الرّبا ويجمع الأموال بالباطل، وكيف يستقيم صيام مَن صام عمّا أحل الله له، وأفطر على ما حرّم الله عليه من الكذب والغيبة والنميمة ومنكرات الأخلاق!!.

هل يفرح بالصوم ويسعد مَن سلخ بلسانه ظهور المسلمين، ولم يتّق الله في أعراضهم وحرُماتهم؟! ثبت في صحيح مسلم حديث عظيم جدّ عظيم، يفزع النفوس ويرهب القلوب، فهل يعيه الصائمون ويتأمّله القائمون القانتون؟! قال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أتدرون مَن المُفلِس؟ قالوا: المفلس مَن لا درهم له ولا متاع؟ قال: إن المفلس مَن يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وقيام وقد شتَم هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيأخذُ هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنِيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أُخذ من سيئاتهم فطُرِحَت عليه ثم طُرِحَ في النار) [4] .

إنها لمصيبة عُظمى أن يدركنا رمضان ولا يُغفر لنا، ولا ينفعنا ولا يُتقبّل منا ولا يُستجاب دعاؤنا، نعوذ بالله أن نكون ذلك الإنسان، قال صلى الله عليه وسلم: (رَغِمَ أنفُ عبدٍ أدرك رمضان ثم انسلخَ فلم يُغفر له) [5] ، وإنها لَعين الخسارة والندامة أن يكون رمضان عند طوائف من الناس، موسم لعب ولهو وتنافس في المعاصي والآثام وتسابق في تضييع الأوقات.

أيها الصائمون:

أيّ وبال علينا عندما يكون حظّنا من صيامنا الجوع والعطش والتعب والنصّب وليس لنا فيه مغنمٌ ولا أجر ولا شرف ولا فضل.

احذروا مغبّة تضييع الصيام، وتجنّبوا ما قد ينقصه أو يُذهِب أجره وثوابه، فإن الله قد اختصه لنفسه ـ سبحانه من بين سائر العبادات، فصونوه من كل شائبة واحفظوه من كل غائلة، وقوموا بحقّه وما ينبغي فيه.

روى البخاري في صحيحه وأبو داود في سننه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال صلى الله عليه وسلم: (مَن لم يدّع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدّع طعامه وشرابه) [6] .

اللهم احفظ علينا صيامنا، واجعله شافعًا لنا، واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم.

{20} صيَام السّلَف الصّالِح

(1) سبق تخريجه.

(2) البخاري (1894) ، ومسلم (1151) عن أبي هريرة.

(3) أحمد (3/ 396) .

(4) مسلم (2581) وأحمد (2/ 303 - 304) .

(5) الترمذي (3545) وابن خزيمة (1888) ، والحاكم (1/ 549) ، وابن حبان (908) .

(6) البخاري (1903) ، وأبو داود (2362) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت