الصفحة 52 من 75

السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم هم فُضَلاء الأمّة وخيارها، ونبلاؤها وأئمّتها وسادتها وقادتها، كساهم النبي صلى الله عليه وسلم جلباب الخيرية ورداء الشرف والعظمة كما في الصحيحين من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ خيرَكُم قَرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) قال عمران: فلا أدري أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثة؟ (ثم يكون بعدهم قومٌ يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يُؤتَمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمَن) [1] .

بزوالهم ظهرت البدع والمحدثات، وكثرت الفتن والبلايا وتعاظم الأعداء، وانتُهِكَت الحرُمات، لأنهم منبع أمان الأمّة ومصدر سلامتها وثباتها وظهورها.

أخرج مسلم في صحيحه عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (النجوم أمّنة للسماء، فإذا ذهبَت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمَنة لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمّنة لأمّتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمّتي ما يُوعدون) [2] .

"فهم الذين تُعُهِّدت بنقلهم الشريعة، وانحفظت بهم أصول السنّة، فوجبت لهم بذلك المنّة على جميع الأمّة، والدعوة لهم من الله بالمغفرة، فهُم حمَلة علمه، ونقَلة دينه وسفَرته بينه وبين أمته، وأُمناؤه في تبليغ الوحي عنه."

اتخّذوا كتاب الله إمامًا، وآياته فرقانًا ونصبوا الحق بين أعينهم عيانًا وسُنن رسول الله صلى الله عليه وسلم جُنّة وسلاحًا، واتَّخَذا طرقها مِنهاجًاَ وجعلوها برهانًا، فلُقُّوا الحكمة وَوُقوا شرّ الهوى والبدعة، لامتثالهم أمر الله تعالى في إتباع الرسول وتركهم الجدال بالباطل يدحضوا به الحق.

الذين جاهدوا في الله حق جهاده واتبعوا رسوله على منهاجه، الذين أذكارهم في الزهد مشهورة وأنفاسهم على الأوقات محفوظة، وآثارهم على الزمان متبوعة، ومواعظهم للخلق زاجرة وإلى طرق الآخرة داعية ..." [3] ."

أرباب العلم والديانة والسنة والأمانة والورع والصيانة، إذ هم أعظم الناس دينًا وأكمل الناس عقلًا وأهداهم سبيلًا وأسدّهم كلامًا وأصحّهم نظرًا وأتمّهم فِراسةً.

أيها الإخوة:

صامَ السلف الكرام فكانوا صفوة الصائمين ونُخبة القائمين، بات الصوم شعارهم وأنيسهم وحلاوتهم، كانوا في صيامهم أهل الذكر والقرآن، وأصحاب الشكر والامتنان، صاموا بخشوعٍ وإخبات فم يكونوا أهل كِبر وبطَر، وصاموا بخشية وطهارة فليسوا أهل سفهٍ وطياشة.

أيها الصائمون:

"لمّا سمع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ قول الله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} [البقرة: 148] ، وقوله سبحانه: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الحديد: 21] ."

فَهِموا من ذلك أن يجتهد كل واحد منهم، أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة والمُسارع إلى بلوغ هذه الدرجة العالية، فكان أحدهم إذا رأى مَن عملًا يعجز عنه خشي أن يكون صاحب ذلك العمل هو السابق له، فيحزن لفوات سبقه، فكان تنافسهم في درجات الآخرة واستباقهم إليها، كما قال تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26] ، ثم جاء مَن بعدَهم فعكس الأمر فصار تنافسهم في الدنيا وحظوظها الفانية.

قال الحسن:"إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافِسْه في الآخرة"، وقال وُهيب بن الورد:"إن استطعتَ ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل".

كان رأس السابقين إلى الخيرات من هذه الأمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال عمر بن الخطاب:"ما استبقنا إلى شيءٍ من الخير إلا سبَقَنا أبو بكر وكان سبّاقًا بالخيرات"، ثم كان السابق بعده إلى الخيرات عمر رضي الله عنه [4] .

لرمضان قيمة كبيرة عن السلف الصالح، فعند دخوله ـ وهم أهل جدّ وعمل، ليس وراءه مطلع لناظر ولا فوقه مُرتقيً لبعضهم تطلُّع طامح في الخير، ليس وراءه مطلع لناظر ولا فوقه مُرتقىً لصاعِد.

يسارعون في أبواب الخير، ويطلبون كل فضيلة ويلتمسون كل أجر وثواب، هم في الذكر والقرآن أهله وخاصته، وفي الصلاة عُبّادها ورُهبانها، والصدَقة أقطابها وصُناعها.

امتاز صيام السلف الأخيار بالترنم بالقرآن والتفكّر في آياته ومعانيه، وازدان بأصناف البذل والإنفاق، فسبحان الله يؤثرون مع الجوع والخصاصة، ويُطعمون مع الحاجة والمسغبة، كان صيامهم محفلًا للخيرات والطاعات، ليس ثمّة باب من أبواب الخير إلا سلكوه ولا مطلبًا إلى راموه، امتدحهم شاهِدهم وذُهل سامعهم وأتعبوا مَن بعدَهم.

عظُمَت نفوسهم لما وطّنوها على طاعة الله وذكره، وعزّت هممهم لما رغبت في لقاء الله وجنّته، فطرحوا الدنيا الفانية للدرجات الباقية.

(1) البخاري (2651) ، ومسلم (2535) .

(2) مسلم (2531) .

(3) شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 20 - 25) بتصرف.

(4) لطائف المعارف باختصار ص (431 - 432) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت