فهرس الكتاب
قال إمام العلماء معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ في مرض موته:"اللهم إني كنت أخافُك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أنّي ما كنتُ أحب البقاء في الدنيا لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار، وإنما لمكابدة الساعات وظمأ الهواجر، ومزاحمة العلماء بالركب عند حِلق الذكر".
معاشر الصائمين:
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه:"لو طهرت قلوبكم ما شبعتُم من كلام ربكم"، وقال الحسن رحمه الله:"واللهِ ما أصبح اليوم عبدٌ يتلو القرآن يؤمن به إلا كثر حزنه وقلّ فرحه، وكثر بكاؤه، وقلّ ضحكه، وكثر نصبَه وشغله، وقلّت راحته وبطالته".
وقال وُهيب رحمه الله:"نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئًا أرقّ للقلوب ولا أشدّ استجلابًا للحزن من قراءة القرآن وتفهّه وتدبره".
{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراًّ وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29 - 30] .
"كان بعض السلف يختم في قيام رمضان كل ثلاث ليالٍ، وبعضهم في كل سبعٍ ـ منهم قتادة ـ وبعضهم في كل عشر ـ منهم أبو رجاء العُطاردي ـ وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها، كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان، وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة، وفي بقية الشهر في ثلاث، وكان قتادة يختم في كل سبع دائمًا وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وعن أبي حنيفة نحوه، وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان، وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام" [1] .
قال الحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ في ترجمة أبي بكر
بن عياش:"قد رُوي من وجوه متعددة أن أبا بكر بن عياش مكَث نحوًا من أربعين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة، وهذه عبادة يُخضع لها" [2] .
وقال نافع: لما غُسّل أبو جعفر القاري نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف فما شكَّ من حضره أنه نور القرآن رحمه الله [3] .
وفي ترجمة عبد الرحمن بن مهدي قال ابن المديني:"كان وِرد عبد الرحمن كل ليلة نصف القرآن"، وقال الذهبي:"عبد الرحمن له لجلالة عجيبة وكان يُغشى عليه إذا سمع القرآن" [4] ، وقال حمزة بن حبيب الزيات أن يذهب بصري"، قال الذهبي:"كان إمامًا حُجّة قيّمًا بكتاب الله عابدًا خاشعًا قانتًا لله، ثخين الورع عديم النظير"، وقال فيه أيضًا:"وكان ـ رحمه الله ـ يُقرِئُ القرآن حتى يتفرق الناس ثم ينهض فيصلي أربع ركعات، ثم يصلي ما بين الظهر والعصر، وما بين المغرب والعشاء وحدّث بعضُ جيرانه أنه لا ينام الليل، وأنهم يسمعون قراءته يرتّل القرآن" [5] ."
أيها الإخوة:
لم ينتهِ صيام السلف إلى رمضان فقط، بل كان لهم أوراد ونوافل يحافظون عليها ويديمونها، فهذا عمر الفاروق ـ رضي الله عنه ـ أخرج البيهقي في سننه عن ابن عمر قال:"ما مات عمر حتى سرد الصوم" [6] ، وذو النورين عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ حظّه من النهار الجود والصيام ومن الليل السجود والقيام، مُبشَّرٌ بالبلوى، ومُنعَّمٌ بالنجوى [7] .
وقد قُتل عثمان رضي الله عنه وهو صائم [8] .
وكانت الصدّيقة بنت الصدّيق عائشة رضي الله عنها تسرد الصوم كما ذكر ذلك ابن سعد في طبقاته رحمه الله [9] .
وقال عروة رضي الله عنه: بعث معاوية إلى عائشة رضي الله عنها بمائة ألف دراهم فقسمتها، لم تترك منها شيئًا، فقالت بريرة مولاتها أنتِ صائمة فهلا ابتعتِ لنا منها بدرهم لحمًا قالت:"لو ذكّرِتْني لفعَلْت"أخرجه الحاكم في المستدرك [10] .
ولما طلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة رضي الله عنها قال له جبريل عليه السلام:"راجِعْ حفصة فإنّها صوّامة قوّامة، وإنها زوجتك في الجنّة"حديث حسن أخرجه الحاكم أيضًا [11] .
وفي ترجمة ابن عمر رضي الله عنهما في السير قال الذهبي:"الإمام القدوة شيخ الإسلام" [12] ، وقال نافع مولاه:"كان ابن عمر لا يصم في السفر ولا يكاد يفطر في الحضَر" [13] .
(1) لطائف المعارف ص (318) .
(2) سير أعلام النبلاء (8/ 503) .
(3) السير (5/ 288) .
(4) السير (9/ 153) .
(5) معرفة القرّاء الكبار (1/ 111 - 115) .
(6) سنن البيهقي الكبرى (4/ 301) .
(7) الحلية (1/ 55) .
(8) صفة الصفوة (1/ 302) .
(9) الطبقات الكبرى (8/ 75) .
(10) المستدرك (6745) .
(11) المستدرك (6753) .
(12) السير (3/ 204) .
(13) السير (3/ 215) .