الصفحة 54 من 75

وكان الإمام الكبير محمد بن أبي ذئب رحمه الله كما ذكر أخوه: يصوم يومًا ويفطر يومًا ثم سرد الصوم، وكان شديد الحال يتعشّى الخبز والزيت [1] .

والسلف الخيار مع طول العبادة ودوام الذكر والصيام كانوا ـ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أجود الأنام كفًا وأسرعهم نوالًا وبذلًا، وهم عون كل مسكين وسائل، ورِدء كل فقير خامل، ثبت في المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود [2] ، فأرسَل إلى بعض نسائه، فقالت:"والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء"ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قُلنَ كلّهن مثل ذلك: لا والذي بعثكَ بالحق ما عندي إلا ماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن يُضيف هذا الليلة؟) فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فانطلقَ به إلى رحله فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية قال لامرأته: هل عندكِ شيء؟ فقال: لا إلا قوت صبياني، قال: علّليهم بشيء وإذا أرادوا العشاء فنوّميهم، وإذا دخل ضيفنا فأطفئي السّراج وأريه أنّا نأكل، فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ـ فقال: صلى الله عليه وسلم (لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة) [3] .

لقد عظم شأن هذا الأنصاري رضي الله عنه بصدقته وإيثاره البالغ، وتبوّأ منزلة شريفة، طمحَت إليها هِمَم الصالحين، وصمدَت لها أفئدة الطالبين.

وكانوا أيضًا رضي الله عنهم أهل مواساة للفقراء، يطعموهم ويحسنون إليهم ويقضون حوائجهم، ولا يحول دون ذلك انهماكهم في العبادة أو ضخامة أعبائهم أو فخامة نفوسهم، فهذا صدّيق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه كان يحلب للحيّ أغنامهم، فلما استُخِلف قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها، فقال أبو بكر: بلى وإني لأرجو أن لا يغيّرني ما دخلتُ فيه عن شيء كنت أفعله، أو كما قال.

وكان عمر رضي الله عنه يتعاهد الأرامل فيستقي لهنّ الماء بالليل، ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة، فدخل إليها طلحة نهارًا، فإذا هي عجوز عمياء مُقعدة، فسألها: ما يصنع هذا الرجل عندكِ؟ قالت: هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني، ويخرج عنّي الأذى فقال طلحة: ثكلتك أمُّكَ طلحة، عثرات عمر تتبع؟!.

وكان أبو وائل رحمه الله يطوف على نساء الحيّ وعجائزهم كل يوم، فيشتري لهنّ حوائجهنّ وما يصلحهنَّ.

أحاديثُ لو صيغتْ لألهت بحسنِها ... عن الوشْي أو شُمّت لأغنت عن المسك

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

{21} صَومُ النّسَاء

النساء مدارس تربية وإصلاح، وقواعد البناء والنهوض، ومعاهد صناعة الرجال والأبطال.

الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها

أعددتَ شعبًا طيّب الأعراق

الأم روضٌ إن تعاهده الفتى

بالريّ أورق أيّما إيراق

إن الأمّ المسلمة مركز التربية والرعاية والهداية، فهي نصف المجتمع، إذ بصلاحها صلاح جيل وأمّة.

إن شريعتنا الإسلامية الغرّاء أولَت المرأة المسلمة عناية فائقة، وأكسبَتْها نورًا وحبورًا وذكرًا وشرفًا لم تنلْهُ امرأة في سائر المِلل والنِّحَل التي تقيأها وأنشأها حُقراء البشر وزنماء الحرية والعدل والمساواة.

إن الأمم الكافرة اعتبرت المرأة"بليّة عظيمة"هي أحط من كل شيء وضيع في أذهانهم، إنها عارٌ وشنار، إنها لعنة وبلاء، إنها متاع موروث، إنها رِجس الشيطان.

وقد عقد الفرنسيون في حقبة من الدهر مؤتمرًا للبحث: هل المرأة تُعدّ إنسانًا أم غير إنسان؟ وأخيرًا توصّلوا أنها إنسان خُلقت لخدمة الرجل فحسب.

ولكم أن تتصوّروا إلى أي حدّ بلغَت عقول هؤلاء وامتهانهم للمرأة المنكوبة، فجاءت هذه الشريعة السمحة العادلة فرفَعَت عن المرأة المسكينة سوط الظلم، وطهّرتها من سوء الاعتقاد، وحفظتها وصانتها، وأنزلَتْها منازل الكرماء الفُضلاء، وأقامت لها ميزان حقوقها في حد طاقتها وخِلقتها وعفافها وطُهرها، فكان مِن هذا الجنس الضعيف اللطيف عالِمات حافظات، وعابدات صالحات، وسيدات مباركات.

أيها الصائمون:

النساء شقائق الرجال كما صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلهنّ ما للرجال، وعليهنّ ما على الرجال دون استثناء إلا ما خصّه الدليل، لذا يجب عليهنّ الصيام، ويُستحب للنساء المسلمات في رمضان الاجتهاد في الطاعة والمسارعة إلى الخير والبرّ من صلاة وذكر وتلاوة وصدقة وبذل للمعروف وكل عمل مبرور.

(1) السير (7/ 141، وللوقوف على أحوال السلف في الخيرات ومسارعتهم في تحصيلها، صنّف الدكتور سيد العفاني ـ وفقه الله ـ كتابه"صلاح الأمة في علوّ الهمة بهر به أعين مطالعيه وجذب أرواح قارئيه، وقد أفدتُ منه في هذه الموعظة فجزاه الله خيرًا وبارك فيه."

(2) أي أصابني الجهد والمشقة والحاجة وسوء العيش.

(3) البخاري (4889) ، ومسلم (2054) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت