الصفحة 55 من 75

وليعلمنَ الأخوات الصالحات أن السالفات من نساء الصحابة والتابعين كنَّ أهل جدّ وعمل في هذه المواسم المباركة، فقبيحٌ بالمرأة المسلمة أن تضيع وقتها ـ لاسيما في رمضان ـ في الزيارات الكثيرة ونزول الأسواق وإصلاح المنزل وتجميله إلى درجة مفرطة.

وإني لأنصح إخواني الرجال من الآباء والأولياء أن يتّقوا الله تعالى في نسائهم وبناتهم، ولا يكونوا سببًا في حِرمانهنّ من اغتنام مواسم الرحمة والخير كرمضان، فالمرأة المسلمة ليست وظيفتها صنعة الطعام وكنس المنزل وتجميله فحسب، بل إنها أجلّ من ذلك كله وأسمى، وما الطعام والنظافة إلا جزء يسير من عملها، وما يُرتقب ويُراد منها أعظم وأعظم.

أيها الصائمون:

كيف تنتظرون من النساء المسلمات حُسن التربية وزكي الإصلاح وصناعة الرجال، وقد حمّلتموهنّ كثير الأشغال وقليلها، وثقيلها وخفيفها، حتى قراءة القرآن أصبحّت المرأة المسلمة مع أعباء المنزل ومشكلاته، لا تتلوه إلا في أحايين متباعدة، فيمر الشهر والشهران لا تتلو المرأة القرآن.

ثبت في سنن الترمذي وقال: حسن صحيح عن عمرو

بن الأحوص الجُشَميّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا واستوصوا بالنساء خيرًا فإنهنّ عَوانٍ عندكم) [1] يعني أسيرات.

إن من تقوى الله تعالى في المرأة المسلمة تعليمها وتنشئتها التنشئة الحسنة، بتقريب سُبل الخير لها، وتجنيبها موارد الفتن والغواية التي يدبّرها أعداء الإسلام، الذين يريدون من المرأة مماثلة الرجل في كل صغيرة وكبيرة من مجالات الحياة، فتهتك المرأة حياءها وتخلع حجابها، وتدنِّس طهرها وعفّتها وتقتل أبناءها، وإنا لنحمد الله عز وجل بأن دعاواهم تهاوت وانسحقَت تحت أعاصير غيوري الرجال والنساء من أهل الإسلام، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كمن قال:

كناطحٍ صخرةً يومًا لِيوهنهَا

فلم يَضِرها وأوهى قرنَه الوعِلُ

"اللهمّ إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك مِن شرورهم".

وحول صوم المرأة نذكر الأخوات المسلمات بهذه المسائل:

1 -أنه يجب على المرأة الصيام كسائر المسلمين كما تقدم، وتُلزم وتُؤمر به إذا بلغَت، وبان بلوغها بإحدى علامات البلوغ المعروفة، ومنها الحيض وهو خاص بالنساء فإذا حاضَت المرأة وجب عليها الصيام وسائر العبادات، ولو كانت دون خمس عشرة سنة، فيجب على الفتيات أن يَعِينَ هذا الأمر ولا يتساهلنَ فيه، وينبغي للأمّهات مراعاة ذلك والتيقظ له، لأن بعض الفتيات يهبنَ هذا الأمر ويستحين منه، والله لا يستحي من الحق.

2 -أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصيام ولا الصلاة، بل يُحرمان عليهما بإجماع أهل العلم [2] ، ولا قضاء عليها من جهة الصلاة وإنما تقضي الصيام فقط لحديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه مسلم في صحيحه أنها قالت في الحيض:"كان يصيبنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" [3] ، والحكمة من قضاء الصوم دون الصلاة أن الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم، وقد أشار إلى ذلك غير واحد من أهل العلم [4] .

وحول موضوع الحيض شاع بين النساء استخدام ما يسمى بحبو منع العادة، لا سيما في المواسم الفاضلة كرمضان والحج لكي يتسنّى لهنّ إدراك الخير والفضيلة، وهذه الحبوب قد نصح أكثر مشايخنا الفُضلاء بعدم استخدامها لأنها قد تورث أضرارًا خطيرة للمرأة، وأفاده غير واحد من الأطباء، لا سيما وأن الحيض دم جبلَّة كتبه الله تعالى على بنات آدم، فلتصبر المرأة على أمر الله تعالى وسيعوّضها الله خيرًا.

أما القول بتحريمها ففيه من النظر ما فيه، لأنه قد رخّص بعض الأئمة للمرأة أن تستخدم دواء لمنع الحيض كالإمام أحمد رحمه الله فيما نقله عنه ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية [5] من رواية صالح وابن منصور وقال: لا بأس به إذا كان دواء يُعرف. وصوّبه القاضي أبو يعلي، ونقل ابن مفلح عن ابن تيمية تجويز ذلك.

3 -ينبغي للأخوات المسلمات المحافظة على الوقت في رمضان، واغتنامه في الطاعات وأبواب الخير من ذكرٍ وصلاة ودعاء وصدقة وإحسان وأشباهها كما سبق التنبيه على ذلك، وحتى لو اضطرت للعمل في رمضان كما هو حال كثير من النساء، لتحرص أن تجري ذكر الله على لسانها وقلبها، فإن ذكر الله تعالى من أيسر العبادات وأخفّها على الإنسان، وهو أيضًا من أعظم الطاعات وأزكاها عند الربّ جل وعلا، قال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] ، وهو أنواع وأبواب كثيرة أعظمها قراءة القرآن إن كانت تَحفظ شيئًا منه، وإلا فلتقُل ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) [6] .

(1) الترمذي (1163) ، وابن ماجة (1851) .

(2) المجموع شرح المهذب (6/ 257) .

(3) مسلم (335) .

(4) المجموع (6/ 275) .

(5) الآداب الشرعية (3/ 62 - 63) .

(6) البخاري (7563) ، ومسلم (2694) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت